في دقاتها تدور عجلة الزمن، وتتابع الثواني لتحكي لنا قصة حياة ممتلئة بالتفاصيل والأحداث، وما منا من أحد تقف عجلة زمنه فيها إلا برحيله عن دنيا البشر. في حياتنا ساعات أنس وفرح عشناها وأخرى ننتظرها بشغف، وفي حياتنا ساعات حزن وترح عشناها وأخرى نتواقها ونتمنى ألا تقع. إنها الساعة في مكنونها الذي نسير على إثره حياة نتشارك فيها مع بني البشر معايشة وملاطفة، قرباً وبعداً.

في المصطلح أن الساعة ستون دقيقة، لكنها في عرف الكثيرين قد تمتد أطول، والبعض يجعلها أقصر، وقلما يلتزم بعدد دقائقها أحد. فمن تصورها أكثر من دقائقها غالباً لا يكترث للوقت وأهميته في حياة الناس، ونقصد من يعتاد أن يجعلها كذلك، أما من يلزمه أو يحول دون التزامه عارض، فإن الأمر فيه سعة لمن ينتظره إذا ما أوضح له هذا العارض وأتبعه الاعتذار.

أما من طبعه العجلة، فقد يجعل دقائقها أقصر، وتجده يؤخر ما دون موعدها من أعمال خشية فوات الوقت، وقد يأتي قبل الموعد المحدد بكثير احتياطاً من التقصير، فيظن من ينتظره أن في الأمر ما يستوجب العجلة، وقد يترتب على ذلك الاضطراب والضجر من عجلة غير متوقعة في عواقبها، وقد ينشب على إثر ذلك الخلاف من دون مسوغ منطقي.

وأما من اعتاد أن يلتزم بذات الوقت، فإنه أيضاً في غير مأمن من الوقوع في إشكالية مع من عقد معه موعداً، فإن كان الذي واعده على شاكلته في التزام الوقت، فالأمور سوف تسير سيراً حسناً، بل يشعر كل واحد منهما الآخر ببالغ سروره وغبطته في التزامهما ذات الوقت الذي تم تحديده. أما إذا كان من ضرب معه الموعد على شاكلة الاثنين السابقي الذكر، فإن إشكالية الوقوع في الضرر متحققة لا محالة، فمن تأخر لا بد أن يلام، ومن بكّر أيضاً سوف يلام.

الناس في احتساب الأوقات والساعات والحرص على إنفاذ الأمر في أمر لا يخلو من الضجر، والعاقل من تعامل مع الموقف بصورة لا تفقده ود من صادقه وأحبه، فالحياة لا تحلو إلا بالسماحة حيناً، وبالتغافل أحياناً، ولكون المثالية التي نتصورها غير متحققه في كثير من الناس والأحوال. وعلينا أن ندرك أيضاً أن في العتاب القليل إظهار للمودة وتحقيق للألفة بين بني البشر، وأن الاعتذار عن التقصير من دون الإسراف به هو طبع أخيار البشر.

إننا بلا ريب نتوق لدنيا تسير فيها الساعات كما نتمنى في دقائقها وثوانيها، لكنها الحياة تبوح بأسرارها اللحظة تلو أختها، في ثوانٍ متتابعة، لا نعرف حقائقها الحتمية إلا لحظة وقوعها. لذا علينا أن نتقبلها كما هي في حلاوتها مرَّة، وفي مرارتها مرَّة.

إنك يا قارئ مقالي هذا إن سألتني: متى كتبته؟ فأقول: كتبته في ساعة عصف ذهني مَرَّة، وساعة صفاء ذهني مرَّة، الأولى مُرَّة، والأخرى حلوة أتمنى تكرارها، وأن أكون وأنت على موعد لا نخلفه، في حالٍ نُسَرُ به ونغنم، ولا يعكر صفو ودادنا ساعة عسر نتوقاها، ولا نَشُوق أن نراها.

د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات