يمكن وصف حركة الدراسات الثقافية البريطانية والأميركية التي ازدهرت في الفترة الممتدة من سبعينيات القرن الماضي إلى تسعينياته كخلاصة للجهود التي بذلت في موضوع الثقافة الجماهيرية. أما ثقافة الفقير ـ نحو إثنولوجيا الأوساط الشعبية، فيعود الأصل ما شكل سديم البحوث الكبير والذي تجاوز التخصصات العلمية والقارات إلى ريتشارد هوغارت أستاذ الأدب في جامعة برنغهام ومؤلف كتاب ثقافة الفقير 1957، الذي يقع في نقطة تقاطع السيرة الذاتية والكتابة الإثنوغرافية، ينحدر هذا الكاتب من الطبقة العاملة البريطانية التي عاشت ظروفا قاسية وارتقى مختلف درجات السلم الاجتماعي بفضل منحة التعليم التي حصل عليها والتي سمحت له بمتابعة دراساته العليا، فلقد تغلب على شتى أنواع العار والإحراج التي تنتاب تلميذا مستحقا وتغلب على الانفصال عن وسطه الاجتماعي الأصلي، لكنه ظل شديد الارتباط بعالم العمال الذين اعتبروا مغتربين عن واقعهم نتيجة تعرضهم لوسائل الإعلام، وعند البحث سنجد أيضا هذا المفهوم لعالم الإنثروبولوجيا أوسكار لويس بأن الفقراء لا يفتقرون إلى الموارد فحسب بل يكتسبون أيضا نظاما قيما يديم الفقر، وكان كتابه ظهر فيه مصطلح ثقافة الفقر حين كانت أعباء الفقر منهجية وفرضت على هؤلاء الأفراد، حيث تم دمج الأطفال اجتماعيا في سلوكيات ومواقف أدت إلى عجزهم عن الهروب من الطبقة الدنيا، مما يشعرهم بالهامشية والعجز والتبعية وعدم الانتماء، الناس مع ثقافة الفقر لديهم القليل جدا من الشعور التاريخي أنهم أناس مهمشون لا يعرفون سوى مشاكلهم وظروفهم المحلية وحياتهم الخاصة، فهم ليسوا وعيا طبقيا على الرغم من أنهم حساسون جدا بالفعل لتمييز المكانة وخلق مفهوم رد فعل عنيف دفع العلماء إلى النظر في الهياكل بدلا من إلقاء اللوم على الضحية بطريقة المصالح السياسية، ولوحظ أيضا أن قراء الصحافة الشعبية المملوءة بالقصص العجيبة والمتسمة بالإثارة ليسوا سلبيين تجاه محتوياتها إنها موضع الاهتمام المنزاح أو الاستهلاك غير المكترث فإن القيمة العليا لثقافة الفقر تكمن في البيت وتستخدم وسائل الإعلام لتغذية الحياة اليومية ويهيكل التعارض بين «هم» و«نحن»…!

أخيراً، الطابع المركب للثقافة بالكشف عن خطأ شائع أن ما يثير إزعاج من يقضي حياته محاولا إعادة تشكيل ثقافات العصور القديمة، فلم يعد الدفاع عن فكرة أن التلفزيون ليس ملحقا مخجلا في ثقافتنا المعاصرة لأنه أصبح أحد أعمدتها الأساسية، وهكذا عندما نصف الفضاء الإلكتروني المفتوح للعالم بأكمله أصبحت مواقع التواصل والاتصال الحديثة تشكل ثقافة جديدة، لكن ثقافة التلقي تطورت رغم تشريع القوانين المنظمة للسلوك الالكتروني نحصد يوميا ضحايا إما لفقدان القيم وإما بتحريض أو بث الإشاعات، فالحاجة الملحة تكون للوعي السليم في استخدام أدوات التواصل الحديثة، مما يعبر عنه هذا الفضاء انثروبولوجيا أننا نشكل طبقة جديدة من ثقافة الفقر الإلكتروني مثلما قال ماركس إن الناس يصنعون التاريخ وإن كانوا جاهلين بالتاريخ الذي يصنعونه، وشكراً.

يعقوب عبدالعزيز الصانع

@ylawfirm

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات