يسير الزَّمن هنا بسرعة فائقة، وتعود لكَ تساؤلاتُكَ الدَّائمة لكنَّ آلاف الجمل تتبعثر في رأسك لتنظر إلى ساعة الجدار، لتلمح أنَّ الوقت يمرُّ ولكنك لم تتغير رغم كلِّ الأفكار، إلَّا أنَّك تبتسم في اللَّحظة الأخيرة لاكتشافك حقيقةَ أنَّ للوقت أهمية كبرى، ولا تُقاس التَّجارب الإنسانيَّة بالوقت القصير، ما زلت لا تجيد تقييم تجربتك حتَّى الآن، هل صنعتْ من نفسك شيئا يستحِقّ أن يُذكر؛ ولو قليلاً أم تحطّمت كرمادٍ متناثر بكلِّ مكان وأصبحت في العدم؟ ولأن هناك أشياء كثيرة لا نستطيع أن نراها بوضوح إلا بعد زمن، ولأنني أحد تلك الأجيال التي أخذت فرصتها في التعليم وحان دوري كغيري لأخذ دور فاعل في بناء ركب هذا المجتمع لاحظت أن المنظومة التعليمية التي نشأت بها ومعها لم تكن ممتازة.. كانت مقبولة نوعا ما بسبب أن الأزمان اختلفت، وأصبح طموحنا ليس القراءة والكتابة فقط، ولكن لا بد من حذف استراتيجيات التضليل، والعيش على نحو أننا علماء هذه الأرض، بينما كل مخرجات التعليم في سوق العمل يجري حشرهم بإدارات لا تتعلّق بتخصصهم، ولا طموح لهم سوى متى سيهرب من العمل، ناهيكم عن انتشار سوق الشهادات الوهمية وإغراق القضاء بهذه القضايا التي تتم عن سوء خلق وتربية أجمعين.

ولذلك، هذه المنظومة التربوية فقدت كل بريقها وكل بصيص أمل لإحياء القيمة المجتمعية للنشء والأجيال التي تخرج لسوق العمل لقنت قشور الثقافة وما تيسر من مناهج مفلسة فكريا، لا تسمن ولا تغني من جوع، بعدها يجري إطلاقهم لسوق العمل من دون فهم أدنى فكرة عن مغزى الحياة، مع الأخذ بعين الاعتبار انهم مطالبون سلفا باقتناء هويّتهم من خارج ذاتهم، ككائن ممنوع من أيّ اختراع حيوي لمرجع وجوده، وعلى سبيل التعميم فالمجتمعات العربية قاطبة مجتمعات مغلقة فكرياً، سواء اعترفت بذلك أم لم تعترف، والانغلاق يعطل العقل ويقف حائلاً دون أي تطور، ولكن لهذا الانغلاق أسبابه، فإن أحببت تابع القراءة، أو واصل الانغلاق، هذا النشء الا من رحم ربي يعتقدون انهم الأقدر لمسك زمام الأمور وعمل فارق على خريطة تقدّم الدولة، ولكن فكرهم وممارساتهم وأدبياتهم مع الزمن القديم والذي تبنته المنظومة التعليمية التي خرجوا منها، والتي مهما حاولنا صبغها أو تلوينها أو تلميعها، فهي لا تستقيم مع آليات هذا العصر، لكونها السبب لهذه المشكلات والمعضلات الجسيمة.

ولا يخفى على أحد أن المنظومة التربوية تعاني بؤساً معرفياً حقيقياً، كما تخلو من المعرفة والاجتهاد، ومن حَفْز التلاميذ والطلبة على البحث والرغبة في التعلم، لابتعادها عن السياقات الحضارية، وعمّا أصبح يُعْرَف، اليوم، بـ«التكنولوجيا الرقمية». فالمدرسة التي تغتال الفكر البحثي، وتغتال القَلَق والسؤال، وتمنع الفُضول المعرفي، وتنتقي من النصوص، ومن المؤلفات، ما تراه يخدم فكرها وتوجُّهاتها الايديولوجية، وتُقْصِي فكر الحداثة والاطلاع، أو تنتقي منه ما يبدو مفيداً لها، أو يخدم مصالحها في تكوين الإنسان التابع، المُقْتَنِع، الطَّائع الذي لا يسأل، أو يكتفي بما يسمعه من إجاباتٍ، هي مدرسة تعمل على تعطيل القراءة، وبالتالي تعطيل المعرفة وكَبْحِها، ولَجْم حركية المجتمع وتحويلة، بالتالي، إلى مجتمعِ تافه.

ونلاحظ استراتيجيات الشاب أو الشابة الجامعيين، محكومة بضرورة إيجاد العمل بأي وجه كان، قد يصل معها الشاب الجامعي إلى التنازل عن قيمه بشكل جزئي، من أجل إيجاد عمل ما دام يستحق ذلك العمل. حيث يصبح تفكير هذه الفئة تفكيرا تبعيا ومشروطا بما يتيحه ويوفره الواقع بشكل مزدوج؛ فالمجتمع يضغط من جهته لأنه لا يقبل برجل عاطل عن العمل، وبملْء الفم هو على استعداد للانتحار مهنيا، لكنه ليس على استعداد للموت اجتماعيا بسبب البطالة، التي تبقى حالة مرفوضة.

خالد خليل القطان

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات