مواقع التواصل: وطن شاعري بلا مكان

مهاب نصر -

«الفضاء الافتراضي» كان هو الاصطلاح الأكثر شيوعا في التعبير عن مواقع التواصل حتى وقت قريب، اصطلاح يقلل من شأنه، وكأن ثمة واقعا فعليا ملموسا: بيوتنا، شوارعنا، وجوه اصدقائنا السعيدة أو الغاضبة، محل عملنا ومشوارنا اليومي إليه، وحتى الصراعات والحروب التي تصيب أكبادا حقيقية من لحم ودم.. وفي مقابل هذا الواقع عالم لا مكان حقيقيا له للدردشة المختفية وراء أسماء ووجوه يصعب التحقق منها ومن تاريخها.

مع هذا، فالظاهرة الأكثر غرابة أو أن العالم الواقعي هو ما بات ينسحب رويدا رويدا ليتحول إلى الأفق الافتراضي، ولا يتوقف الأمر على الأفراد فقط، الذين عقدوا صداقات وعداوات حقيقية (أي كان لها أثرها في واقعهم) بل امتد للحكومات والجهات ذات المصالح الكبرى، مسؤولين ورؤساء أصبحت تغريداتهم أو تعليقاتهم على موقع فيسبوك بمنزلة التصريح الرسمي.

لكن ما يميز هذه المواقع «الافتراضية» أنها تحمل صورة شخصية، إنها منصة تعبير ذاتي، شرفة يطل الواحد منها كما من شرفة منزله. ومن ثم، فهي تتسم بكل ما يتسم به التعبير الذاتي من محالة التأثير في الغير بأساليب عاطفية أو شعبوية.

هكذا تصبح الكلمات على موقع التواصل وكأنها قصائد قصيرة، يعتمد صاحبها على أساليب بلاغية، وصور جمالية. يعتمد كتّاب الفيسبوك على خطاب مباشر وكأنهم يواجهون أشخاصا حقيقيين، «ألم أقل لكم؟.. خذوا هذه.. أصارحكم..» يختلط الخاص بالعام، وتفقد القضايا العامة موضوعيتها ويصبح النقاش العام أقرب إلى «الهوشة».

ماذا يحدث وأنت تكلم شخصا أو تتفاعل مع جمهور على موقع التواصل إذا كنت في غرفتك؟ إنك تنسى تدريجيا المكان الذي يضمك، تنفصل عنه، وكأنك تعيش في برزخ بين الواقع والخيال، أو ما يشبه السحابة التي تمر موازية للعالم الحقيقي ولكنها لا تلامسه أبدا.

نجلس في مطعم، أو متنزه مع أصدقاء، فنسرع بالتقاط الصور، وارسالها مباشرة على مواقع السناب أو تويتر أو فيسبوك، يصبح المكان المحيط بنا مجرد صورة للعرض. نفقد اتصالنا الخاص والحميم به، نفقد حوارنا معه الذي يوثق علاقتنا به ويكوّن ذكرياتنا عنه، ويحفظ أسرارنا، وحكايانا.

ربما نمر الآن بمرحلة جديدة، لا يتغير فيها شكل العلاقات الاجتماعية بين الناس فقط، بل علاقتهم بالمكان، وطبيعة المكان نفسه ومفهومنا عنه.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات