بعد إقامة في روما، يتوجه إلى شيكاغو ليلتقي بابن عم له، وينفر منه، عندما يعرفه على صديقه الصربي البوسني. فبعد المكان عن سراييفو لم يحرر ذهنه وعواطفه من الكراهية. وبعد أن يترك السكن عند ابن عمه، يجد سكنا في حي في شيكاغو يسكنه السود، ويتمكن من ايجاد وظيفة. ويفاجأ بأن جيرانه من السود لم يتقبلوه لكونه أبيض. فيسأله جاره الأميركي الأسود:

«ماذا تعمل هنا؟ هذا حي للسود، والبيض لا يسكنون هنا». فيجيب: «أنا أسود»، فيرد عليه: «لا، أنت لست أسود»، فيجيب حمزة: «أنا أسود من الداخل».

لذا ينتقل حمزة، إلى مكان آخر ليعيش بالقرب من عائلة أميركية سوداء تتقبله وتصادقه.

هذا ومع ان طبيعة عمله لا تمت بصلة لتخصصه في العمارة، بل تعتمد على الجهد العضلي، إلا أنه وجد نفسه مميزا عن زملائه في العمل في ذوقه الفني والموسيقي. فيتعرف على طبيبة أميركية متبادلين الإعجاب الروحي أكثر منه الجسدي. لكن صداقاته الأخرى تبقى مع البوسنيين المقيمين في شيكاغو. ففي جلساتهم ونقاشاتهم ينسون أنهم قد تركوا البوسنة. وتمتد الحوارات من الشخصي إلى السياسي، فيوجه النقد للرئيس البوسني لأنه تفاجأ بالحرب في الوقت الذي كان الجميع يرى الصرب يستعدون لها:

«كان الصرب يضعون مدفعيتهم على المرتفعات المحيطة بسراييفو، ويحيطون المدينة بأرتال من الدبابات، والرئيس يقول لشعبه انه لن تكون هناك حرب... وماذا عن الفساد الذي انتشر أثناء الحرب؟ فكيف تمكن بعض السياسيين من جمع هذه الثروات أثناء الحرب!».

ويضيف حمزة: «مائتا ألف من القتلى، ونصف مليون جريح، وأكثر من مليون لاجئ، وبلد محطم، وفساد وجريمة، وسنتذكر الرئيس بأنه لا يدري».

لكن وبالرغم من الشكوى من الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش، يؤكد حب الشعب البوسني وولاءه له، مشيرا إلى حادثة اعتقال الرئيس من القوات الصربية له في مطار سراييفو في 2 مايو 1992، وإلى شجاعة البوسنيين الذي هبوا إلى محاصرة ثكنة عسكرية صربية في سراييفو واعتقال قائدها الذي لم يطلق سراحه إلا بعد إطلاق سراح الرئيس البوسني.

تقترب الرواية من نهاياتها عندما يكتشف حمزة أن قاتل زوجته وابنته يعيش في شيكاغو، حيث يقابله صدفة في مجمع تجاري، لكنه لم يتمكن من تتبعه، ورؤية القاتل في شيكاغو تزيد من الغل في نفسه، وتؤجج ذكرى مقتل الزوجة والابنة، وتخيم على ذهنه ذكريات القتال حول مرتفعات سراييفو، وإلى سقوطه جريحا وغيابه عن الوعي وفترة نقاهته في المستشفى والبيت. وبنفس الوقت يشعر برغبة في تقوية علاقته بالطبيبة الأميركية. ويتوقع القارئ أن تنتهي القصة بزواجهما، وهي النهاية السعيدة التي عودتنا بعض الأفلام عليها. لكن الكراهية أو الروح السوداء تسيطر على قلب حمزة، والتي تظهر بعد أن يصطحب صديقته الأميركية إلى مطعم راق، فيفاجأ عند دخوله المطعم بوجود صديقه الصربي قاتل زوجته وابنته. يدخل معه في البداية في مشادة شفوية تتحول إلى قتال ينتهي بمقتل الاثنين: حمزة وقاتل زوجته وابنته الصربي.

كما تؤرخ الرواية للمذبحة التي ارتكبها الصرب في مدينة سربرنيتسا شمال شرق البوسنة، والتي راح ضحيتها حوالي عشرة آلاف بوسني مسلم. وارتكبت المذبحة في 2 يوليو 1995 بعد أن سلم المسلمون سلاحهم بتشجيع من القوات الهولندية الدولية. وهناك ما يثبت أنه في الوقت الذي كان فيه القائد الصربي ميلاديتش يرتشف الأنخاب مع قائد القوات الهولندية، كان الصرب يذبحون البوسنيين المسلمين بدم بارد، ولقد استمر الذبح لأيام. وقد استمعت من خلال فيلم يعرض لزوار متحف لذكرى هذه المذبحة لامرأة فقدت أبناءها وزوجها في المذبحة، وهي تقول: «في الوقت الذي كان فيه هناك أناس يقتلون، كان آخرون يقدمون على الانتحار، كما كانت هناك نساء يضعن مواليدهن».

هناك الكثير من السواد في الرواية، لكن البوسنة الآن بشعبها وأنهارها وجبالها ووديانها ومساجدها وكنائسها تشع بالبهجة. هناك الكثير ما يذكر بالحرب في سراييفو وغيرها من مدن، لكن ذلك ليس لزرع الأحقاد، كما خاطبتني المرشدة السياحية، وإنما لكي لا تكرر المآسي.

د. حامد الحمود

Hamed.alajlan@gmail.com

@hamedalajlan

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات