ثقافة السلام

إعداد: عمار كاظم - 

aلعلّ الإسلام هو الدِّين الوحيد الذي عُني عناية فائقة بالدعوة إلى السلام كثقافة وجعلها دعامته الأُولى، وقد تناول كتابه القرآن الكريم «السلم والسلام» في عشرات من آياته المحكمات. ليس ذلك فحسب، بل إنّ السلام اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته «هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ» (الحشر: 23)، وجعله تحيّته إلى عباده، وأمرهم بأن يجعلوا السلام تحيتهم يلقيها بعضهم على بعض وشعارهم في جميع مجالات الحياة. وسمَّى الجنّة دار السلام: «وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ» (يونس: 25). والآيات التي تناولت السلام كثيرة، منها: «سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ» (يس: 58)، «سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ» (الصافات: 79)، «سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» (الصافات: 109)، («فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» (الزخرف: 89). من هنا كان الإسلام شعار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها منذ ظهور الإسلام حتى الآن. وهو شعار يُلقيه المسلم على صاحبه كلّما لقيه وكلّما انصرف عنه، فيقول له: «السلام عليكم»، ويلقيه المسلم كلّ يوم خمس مرات على الأقل في الصلوات المفروضة حين يصلي ويقرأ التحيات ويختم صلاته بقوله: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» مرّتين، مرّة ذات اليمين وأُخرى ذات الشمال.. لابدّ ـ إذن ـ أن يكون هذا الشعار الذي يردّده المُسلِم كلّ يوم وكلّ ساعة، من أعظم القيم الدينية. نحن إذن ـ عندما نلقي بالتحيّة على غيرنا ـ إنّما نُلقي اسماً من أسماء الله يحفظهم، وكأنّنا ندعو لهم أن يكونوا في صفاتهم قريبين من صفة السلام، وهي السلامة عن العيب والنقص: «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا» (النِّساء: 94). إنّ الإسلام من السلام الذي هو ضد العدوان.. سلام أوّلاً بين العبد وبين نفسه، ثمّ سلام ثانياً بينه وبين الله تعالى، ثمّ سلام ثالثاً بينه وبين غيره من الناس.. فالإسلام دين يدعو إلى السلام ويضع هذه القيمة على رأس القيم التي فيها صلاح العالم وخيره والأخذ بيده.

ثقافة السلام، كلمة ليس بالهيّن إطلاقها، أو حصرها في مشاريع ولقاءات ومناسبات من هنا وهناك؛ ولكن ما تقوم به بعض المؤسّسات الإقليمية والعالمية من مشاريع ثقافية وإعلامية، لإبراز ثقافة السلام، مهمّ، على الأقلّ لتذكير مَن يهمّه الأمر بأهميّة السلام كقيمة إنسانية يفتقدها العالم.. ثقافة السلام مهمّة، ويجب نشرها بالأسلوب الذي يؤثِّر إيجاباً في الواقعٍ.. لذا، ما يهمّ هو الكيفية التي تمارس التأثير بها في أصحاب النفوذ والقرار.. إنّها مسؤولية كبيرة أن تزرع ثقافة السلام في المجتمعات المتعطّشة لها، وأهمّ من ذلك، صناعة جيلٍ واعٍ لأهميّة السلام وقيمته؛ جيل مسؤول يعتبر السلام غايةً وهدفاً فوق كلّ الاعتبارات، وهو ما نادت به جميع الرسالات السماوية، والتقت حوله كقيمة تبرز أصالة الإنسان، وتسمح لإمكاناته بالإبداع والعطاء، بعيداً عن لغة الحسابات الضيِّقة الحزبية والعائلية والقبلية؛ ليكون هناك جيل يؤمن بأنّ التربية التي تربّي الجيل الصاعد على أهميّة السلام، لابدّ من أن تترك الأثر، ولو بعد حين، في إعادة رسم المشهد العام، وليس فقط المؤتمرات والندوات التي هي في كثير منها مجرّد بروتوكولات، سرعان ما تنتهي في لحظتها.

الإمام السّجّاد ومنهج الدُّعاء

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (غافر: 60)، وفي آية أُخرى يقول سبحانه: «فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» (البقرة: 186)، وقال سبحانه: «قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ» (الفرقان: 77).

تركّز هذه الآيات على أهميّة الدُّعاء، فهو الذي يجعل الإنسان قريباً من الله بشكل أساسي، لأنّ الدُّعاء هو أن تتحدّث مع الله؛ أن تناجيه، أن تشكو له، أن تطلب منه ما تحتاجه، أن تحدّثه، وهو العالِم بما يدور في نفسك، عن كلّ آلامك وأحلامك ومشاكلك، لأنّه وحده في الكون القادر على أن يحلّ لك مشاكلك، ويزيل عنك آلامك، ويقضي لك حاجاتك.. وليس من الضروري في الدُّعاء أن تحمل الكتاب وتدعو، بل يكفي أن تدعو بحسب لغتك؛ أن تقول عندما تشعر بالتعب: «يا ربّ، أنا تعبان ومتألم»، أن تتكلّم مع الله تعالى بطريقتك الخاصّة، لتشعر أمامه بالراحة والسعادة. وكما أنّ الصلاة هي معراج روح المؤمن إلى الله، كذلك الدُّعاء هو الطريقة التي تتصل فيها بالله وتتقرّب فيها إليه.

والإمام زين العابدين (عليه السلام) كان خير دليل ومرشد لهذا الطريق، وهو طريق الدُّعاء الذي جعل منه منهج كامل ومتكامل ليساعدنا على السير فيه.. فعندما ننفتح على حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام) فإنّنا نرى الدُّعاء هو المنهج الذي تركه لنا، وكان يمارسه أمام الناس، وهناك فرق بين أن تكتب دعاءً وتقدّمه للناس، وأنّك تعيش هذا الدُّعاء في نفسك وتتحدّث وتبتهل إلى الله به والناس من حولك، إنّك بذلك تعطيهم إيحاءً من خلال هذا الجوّ الروحاني الذي ينطلق من دعاء شخص كزين العابدين (عليه السلام)، كيف يكون دعاؤه كدعاء أبيه عندما دعا في يوم عرفة.. كما قال الراوي: لقد شعرنا بأنّ كلّ مَن حولنا وما حولنا يبكي خوفاً من الله سبحانه وتعالى، ولذلك، استطاع الإمام زين العابدين (عليه السلام) أن يموّن تلك المرحلة بهذه الثروة الدُّعائية المتنوّعة التي تقتحم على الإنسان كلّ حياته، فنراه في أي حالة فردية أو اجتماعية عامّة أو خاصّة، يدعو الله سبحانه وتعالى.

ونجد في «الصحيفة السّجادية»، وفيما تركه الإمام زين العابدين (عليه السلام) من الدُّعاء خارج الصحيفة السّجادية، كدعاء أبي حمزة الثمالي وما إلى ذلك، نجد أنّ هذا الدُّعاء يغني كلّ حاجات الإنسان للحديث مع الله سبحانه وتعالى، ولو قرأنا أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام)، لرأينا أنّها ليست مجرد أدعية ابتهالية روحية في المطلق، ولكنّها أدعية مثقّفة، باعتبار أنّها تشتمل على الكثير من المفاهيم الإسلامية في الواقع الداخلي للإنسان، وفي الواقع الخارجي له، وفي علاقته بأقرب الناس إليه وأبعدهم عنه.v


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات