رحيل الأعزاء عن هذا العالم يترك فراغًا كبيرًا بالنفس وجُرحًا غائرًا يُولد الأحزان بكل لحظة وآن. يطغى الشعور بالألم ويتعمق بالذات والوجدان فيترك جرحًا نازفا يصعب وقفه رغم كثرة المحاولات. شعور غريب يقترب من الإحساس بموت قطعة من القلب ورحيلها عن الجسد واختفاء ملامحها أمام ناظريك بالظلام!! شعور كئيب بالحزن والعذاب لا يُضاهيه شعور. أكتب هذا مع إيماني الراسخ بأن الموت حق «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» فقدومنا لهذه الحياة الفانية فرصة لتحسين إنسانيتنا وتطويرها، تُساعدنا في ذلك كثرة التحديات والامتحانات التي تقودنا للسير بهذا الطريق الصعب والوعر، لذا كُلي إيمان راسخ بأن «بلائي عنايتي ظاهره نار ونقمة وباطنه نور ورحمة» ومن هذا المنطلق مرحبًا بما أتى وأهلًا بالقادم من أفضاله وعناياته.

أعزائي، يا من كُنتم وستبقون أَقْرَب إِلَيْنا مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، دعوني اقص عليكم مجريات ما بعد صدمة الفراق: غَمرنا الأحباب بودّهم ومحبتهم عبر توافدهم وحضورهم الكثيف والمستمر لمواساتنا، حتى بدا كالسيل الجارف من الأعزاء عقب انتشار خبر وفاة ابنتي ثريا صاحبتها تلاوة الأدعية والمناجاة لفقيدتنا حالة منحتنا شعورًا بالطمأنينة. تكررت الاتصالات من جميع أصقاع العالم، على الخصوص ممن لم يتمكنوا الحضور، وتُوجت هذه الثورة العاطفية الراقية برسالة مليئة بالحب والمواساة، رسالة ضمدت الجراح وخففت وطأة الألم وصبت ماءً مُثلجًا على نار الفراق هون صدمة رحيلها المُفاجئ.

لا شك لدي في أن ثريا كانت هبة من الله وأمانة ربانية. استمتعنا بوجودها لثلاثة وثلاثين عاما. علمتنا خلالها طيبة القلب، الصبر، الكرم، تخطي الإساءات ونسيانها، الابتسام رغم الألم وفتحت لنا أبواب خدمة المجتمع وغيرها الكثير. إنها حالة خاصة تشبه العيش مع روح ملائكي بالمنزل، نعمة ربانية ومفخرة خُصصنا بها، فهل يُعقل التذمر من ذلك؟ بالتأكيد لا وألف لا، لأنها حالة تستوجب الحمد والشكر.

كلمة شكر كبيرة من القلب أقل ما يمكننا قوله بعد ما جرى، مع علمنا ويقيننا بانها لا تفي بالغرض ولا بما قدمتموه من مساندة صادقة، ولكن لا نملك طريقة أخرى لشكركم وليس باليد حيلة، فشكرا كبيرة من أعماق وجودنا لكم جميعًا لوقوفكم معنا. والاعتذار عن عدم التمكن من الرد على بعض المكالمات والرسائل وتواصلكم المستمر.

لقد انطفأ نور الغالية ثريا بهذا العالم الفاني ليشتعل مصباح وجودها الروحاني بالعوالم الإلهية فهنيئًا لها. ويبقى لنا الصبر والحمد كما نُردد عند رحيل الأعزاء «إنا كُلٌ لله صابرون» «إنا كُلٌ لله شاكرون» مُتذكرين مقولة الإمام علي بن أبي طالب بمعانيها الخالدة «سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري، سأصبر حتى ينظر الرحمن في أمري، سأصبر حتى يعلم الصبر أني، صبرت على شيءٍ أَمَـرُّ من الصبر».

عرفان أمين

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات