عشق أهل الكويت للبحر وأسماكه أيام زمان جعلهم يبتكرون وسيلة ليلية لصيد الأسماك استمر العمل بها إلى يومنا الحاضر، إنه «القمبار» - بالقاف المغلظة - يشتاق إليه ممن عرفوا فنون البحر ووسائل التسلية فيه، وسيلة وهواية غالباً يشترك فيها اثنان أو أكثر، يتنافسون على الصيد، فيها المتعة وإظهار على القدرة الفائقة على إصابة الهدف، والحصيلة في زنبيل وخلافه غالباً تسر الجميع، يتقاسمونها في ما بينهم، أو يأكلونها طازجة مشوية على الشاطئ.

وقت «القمبار» يفضل في الليالي غير المقمرة، في بداية مد البحر، وضحالة مياهه، وكلما كانت المساحة التي ابتعد فيها الجزر كبيرة مع استواء الأرض، كان ذلك مثالياً لممارسة هذه الهواية، لذا فإن منطقة «عشيرج» تعد من أهم المناطق التي يمارس فيها «القمبار» قديماً وحديثاً نظراً لابتعاد مياه الجزر فيها بعيداً، ثم عودتها بشكل بطيء تدريجي، فضلاً عن مناطق أخرى قد لا تتمتع بخاصية تلك المنطقة، لكنها في كل الأحوال تمارس فيها هذه الهواية.

يستعد عشاق «القمبار» لممارسة هذه الهواية، فيلبسون الأحذية التي غالباً مصنوعة من البلاستيك القوي، حتى تحميهم من الصخور ونتوءاتها خاصة ما يسمى «بالچير»، ويتحاشون أسماك القاع السامة وخاصة «الفريالة»، ويتجنبون أيضاً «اللخمة». يأخذون معهم شعلة تضيء لهم قاع البحر أو فانوس الكيروسين للإنارة ولرؤية الأسماك وهي تسبح في البحر ليلاً، وله فتيلة من نسيج قطني تشتعل لتحترق وتضيء، ولم تكن إضاءته كبيرة، لذا استخدموا بعدها «اللوكس أبو فتيلة» الذي يعبأ بالغاز، ثم تثبت الفتيلة القطنية في موضعها، ثم تشتعل كالكرة الملتهبة المضيئة، والبعض يستخدم حالياً الفوانيس والكشافات اليدوية التي تعمل ببطاريات الشحن، والغرض واحد يتمثل في جودة رؤية ما في باطن البحر من الأسماك وخلافها.

الأدوات المستخدمة في «القمبار» بسيطة، تتمثل في «السيف»، وهو حديدة مشابهة للسيف في شكله، لكنها بالطبع ليست كالسيف الحقيقي في حدته وجماله، يستخدم في إصابة الأسماك وخاصة التي تسبح بعيداً عن قاع البحر، قريبة من سطحه، مثل: «الميد»، و«المزيزي»، و«الحاسوم»، و«السلس»، والمزلقان، والخثاق (الحبار)، وغيرها. كما يستخدم «الكَابَر»، وهو حديدة كالرمح آخرها حاد معكوف، تستخدم لصيد الأسماك القريبة من القاع مثل «الوحر»، و«القبقب»، الذي ارتبط «القمبار» فيه أصالة، لكثرة محبي صيده وأكله، ويكثر صيده أيام تكاثره، وإذا أحس بالخطر المحدق به دفن نفسه في تراب القاع، لكن من يعرف حيلته يتمكن منه.

الرؤية الليلية تتوقف على قوة النظر، وعلى تقدير الصياد للمسافة التي توجد فيها الأسماك وخلافها، لذا فإن توجيه الضربة للهدف يتطلب حرفية يكتسبها الصياد بالممارسة. كما أن الاتفاق والتفاهم بين الصيادين غاية في الأهمية لتوجيه الضربات المناسبة لكل هدف، فعدم الاتفاق في توجيه الضربات للهدف قد يؤدي إلى تعكير المياه حول الجميع وتفويت صيده.

يبقى «القمبار» وسيلة صيد وهواية محببة عند الكبار والصغار قديماً وحديثاً، وقد قل في الوقت الحاضر لكثرة الصيد واستنزاف أسماك البحر، فضلاً عن زيادة تلوث السواحل ونفوق الأسماك.

د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات