المأساة التي من نصيب اليمن، والتي تتصدر تفاصيلها جميع قنوات العالم، وترتكز على الجوانب الإنسانية وانتشار المجاعة والأمراض، وصراعات داخلية ومؤامرات متلاحقة، كل ذلك لم يأت من جهات خارجية مجهولة تآمرت فيها على شعب اليمن، وإنما كانت من مغامرين يمنيين خرجوا من الجيش اليمني ليسقطوا النظام الشرعي التاريخي لأسرة حميد الدين، مدفوعين بالغيرة لتخليص شعب اليمن من عزلة الجاهلية، التي فرضها نظام الأسرة على اليمن، وفتح الأبواب للتواصل مع العالم الخارجي.. هكذا كان الشعار البراق.

وقع سقوط النظام وانتهاء الاطار المتوارث الذي حافظ على الوحدة، رغم عزلته، وتعايش مع الشعب في صيغة تعكس خوف الامام من أمواج الانفتاح وما تحمله من أيديولوجيات وأطروحات وأفكار واجتهادات قد تقوض نظامه.

في سبتمبر 1962، حدث ما كان يقلق الإمام، فقد كانت مجموعة من الضباط تعد للتغيير بالقوة، حين وجدت فرصتها مع وفاة الامام، صاحب النهج الغريب، واندفعت نحو السلطة بتمنيات الوفاء بما يحمله بريق الشعارات.

وانفجرت الخلافات بين القبائل عبر مواجهات فيها معارك دموية مع استنجاد بالقوة المصرية.

كان ذلك أول المؤشرات على غياب الدعم الشعبي الجماعي للنظام العسكري، فتولت مصر إدارة اليمن بحكومات تتبدل وفق اقترابها من الفكر الناصري.

وجاءت كارثة 1967، وانسحبت مصر من الشأن اليمني، وكانت فرصة للنظام العسكري ليضع الأساس لنظام حكم حديث يتوافق مع إرادة الشعب اليمني، لكن جميع المحاولات فشلت، وتنقلت السلطة بين أفراد جاهلة في فنون الحكم لا خبرة لها ولا شرعية لديها، ولا تملك مخزونا فكريا لبناء مؤسسة حكم تقنع اليمنيين بأهليتها، مع تلاحق الاغتيالات والتآمرات.

كان اسقاط النظام الشرعي اليمني غلطة تاريخية لم يخرج من أذاها الشعب اليمني، فالحكم السابق كان مقصراً لكن له أفضال، يتمتع بشرعية التواجد المتلاحق، وله أرضية مسنودة من قطاعات واسعة، وكان اطاراً تاريخياً جامعاً.

كان ممكن تطوير الحكم مع العهد الجديد، لكن ضباط اليمن مثل ضباط الجيش العراقي، الذين أطاحوا بمؤسسة حكم شرعي ملكي برلماني، تعرض العراق بعدها إلى إدارة من السفاهة العسكرية لحقها حكم البعث الفاشستي الدموي، ومثل ضباط اليمن، فشلوا جميعاً في بناء نظام حكم مسنود بشرعية الأغلبية، وقبلهم كان الزعيم حسني الزعيم، أول من انقض على الشرعية البرلمانية في سوريا، ولحق به آخرون من الجيش السوري، أدت إلى وصول أقلية مستبدة تدير الآن حرباً مدمرة ضد شعبها.

وربما نجح العسكريون المصريون في بناء نظام ساند الشعب بشكل مثير، غير أن الحصيلة لم تكن بحجم التوقعات، واستولى القذافي على السلطة في ليبيا محطماً نظاماً أبوياً ونزيهاً، واستبدل به صيغة مسرحية أمنت له النفوذ لأربعين سنة، والآخر من السودان في نظام البشير الذي حكم لثلاثين سنة وأسقطه السخط الشعبي المتبرم من عجزه وعزلته العالمية.

هذه رواية الثوريين العسكريين في العالم العربي، اغتصاب السلطة، وعجز تام عن بناء البديل، مع نزعة مغامرة حصيلتها دمار الوطن، هذا هو عنوان الحكم العسكري في العالم العربي، وزميله حكم الأيديولوجيات المستوردة، بإدارة جاهلة وبدائية التفكير.

منذ سنوات كنت في ندوة في جامعة قطر، حول الأوضاع العربية، وأبرزها اليمن، جاءت مقترحات منها إعادة حكم الإمام بدستور برلماني تقيد سلطته، وبربط اليمن بحكم التداول في إدارة مدنية بانتخابات شرعية.

والمقترح لا ينحصر حول اليمن وإنما حول جميع الدول التي استولى الضباط على حكمها أو احتكر حزب واحد سطوة القرار فيها.

جاء سقوط الأنظمة العسكرية لأنها لم تأت ببديل شرعي، ولأنها لم تمتلك الكفاءة لإدارة الحكم بشروط التنمية والتخطيط وسيادة القانون، وتأمين الانفتاح واحترام آدمية الإنسان وحرية الاختيار وحكم القانون، إنما اختارت البقاء بسطوة المخابرات والتنكيل وقطع الأرزاق.

تعرضت الشعوب في العالم العربي إلى حكم القسوة لتأمين البقاء وعزل القادرين، والاعتماد على المناصرين مع ترسيخ المخابرات وتعتيم الشعب وتضليله حول واقعه، وحول ما يدور خارج حدوده، مع تسخير الإعلام لخدمة النظام وتضخيم منجزاته وتلطيخ سمعة من يبدي رأياً في اجتهاد، مع احتكار معاني الوطنية، وتثبيت النقابات لمهرجانات التأييد وتسيير مواكب الدعم وأناشيد الثناء.

هناك حرب أهلية في اليمن ورطت الحريصين على استقراره، وفجرت مشاعر السخط لدى الجنوبيين الراغبين في مسار مختلف، بعد أن وقفوا على ذهنية الحكم في صنعاء، فمن دروس الحروب أنها تأتي بشيء جديد مختلف عما كان، ولكن الوضع الحالي في اليمن يفرض وقف الحرب مع إدارة جماعية تضم كل الأطراف لوضع قواعد حكم جديد شمالاً وجنوباً، يربط اليمن الواحد ويخرجه بوجه مختلف عن الصورة التي ارتبطت باليمن منذ انقلاب السلال.

يتجه العالم العربي الآن إلى الحكم المدني الدستوري، الذي يجري فيه تداول السلطة في أحضان القانون والعدالة والمساواة ودستور وفق إرادة تنطق بالتوافق الشعبي، بحرية التعبير واحترام كرامة الإنسان وتأكيد دور المرأة، وتحديث التعليم الذي سخرته السلطة لأهدافها، فبعد ثورة الحرية في شمال أفريقيا والسودان والعراق وسوريا واليمن، لا يوجد مكان لأنظمة أفلست فكرياً وأمنياً واقتصادياً وسياسياً، وعاشت على المشانق والتهريج.

يمكن القول إن حروب اليمن الحالية هي آخر معاقل سطوة المخابرات وحكم الاستبداد وبداية فصل ينطلق فيها العالم العربي نحو الانفتاح الكامل مع العالم الخارجي، ليقف على ما حققته شعوب العالم من تقدم بثقتها بالمواطنين، ودعمها للمبادرات وتشجيعها للمواهب واقتباسها من اختراعات العالم، وترابطها مع المستجدات في العلوم والتكنولوجيا.

كانت احصائيات الأمم المتحدة في منتصف السبعينيات تضع مصر وكوريا الجنوبية وباكستان والمكسيك في ترتيب متقارب، انطلقت كوريا بنجاح العلم والمجتمع المنتج، وظلت باكستان في حروب وانقلابات، ويتطور الآن مسار مصر نحو الانفتاح المثمر.

شيء ما في الفضاء العربي يوحي بنهاية جيوش الإنقاذ.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات