أبلغ من الكلام

أبلغ من الكلام

نواف جمال الربيع -

نعم، هذه مكتبات مسكونة بالوحشة، فهارسها عطلها الغبار وبعض موظفيها أقل اقترابا من كتاب وأكثر حساسية لوقت لا يمر إلا بالترقب وعدّ مكابدات الفراغ. مكتبات عامة تباغت كل مناطق الكويت من دون أن يدخلها سوى أطياف تبرع التمرغ بشغفها. إذ تدخل المكتبات العامة تنال منهم دهشة كتب كأنها الرواق الممدود، تحاصرهم بالشك وأسئلة كثيرة تعقد استفهامها بين يديهم وتقدمها كأحجية. رغم أنهم سوف يختنقون بالغبار في أولى محاولاتهم بالبحث وسط هذا الكنز، إلا أنهم سيواصلون.. فهذه مكتبات عامة كانت الشمس تغتسل فيها وتمضي ناحية مشرقها.. كانت، كانت، لولا أن الزمن مات فيها فصارت تحمل كتباً بتواريخ إصدار قديمة، يخطو الغبار بخفته المعتادة قبل أن يسعل ذاته عليها، ويؤكد قِدم الخطأ المعرفي الذي ناولها إياه الوقت. مكتبات عامة في كل مناطق الكويت، تترقب الزوار كي تحاول النهوض رغم ضعفها المميت، تحاول الحياة بين وقت لوقت بجهود فردية أغلبها خاصة إلا أنه لا جدوى من ذلك. وأظن بأن انتقال حيازتها من وزارة التربية إلى المجلس الوطني قبيل سنوات لم يغير شيئاً كبيراً، سوى عدد محدود من المحاضرات والندوات المرافقة لكل مهرجان. وفي بقية الأيام، هناك قارئ يبحث في ركن الأدب من دون أن يلاحظ تغيراً طرأ على الرف، أو نشاط يقام في ناحيةٍ، الأمر الذي يجعل مكتبات الكويت العامة تغلق واحدة تلو الأخرى، دون اكتراث من أحد.

موت مكتبة يعني موت البشرية كلها، نذير نهاية وسوء خاتمة.

لا أتحدث عن المكتبات العامة بوصفها هياكل ثقافية صورية، أحاول الحديث عن تاريخ طويل، عن حلم وجود قوى ثقافية ناعمة تتسلح بها كل منطقة من مناطق الكويت، عن مراكز دهشة تراود زوارها عن نفسها وتنجح في اختطافهم ناحية جنة باردة، لكنها قُصمت مسافاتها في حبوها الأول. فأنا لا أعرف المفقودات من هذه المكتبات العامة خلال الغزو العراقي والتي قيل بأنها تقارب 133199 مجلدا من 23 مكتبة عامة حينها، تمت استعادة معظمها، لكنني أعرف أننا نكرر الخطأ نفسه بالإصرار نفسه، نجدد فقد الكنز مرة أخرى، مستبدين بالكتب من دون قدح النيران فيها، يكفي إهمالها لتموت وتتداعى بأمراضها: علة في التجديد، كتب هرمت معارفها، والتقدم يعرج بالأرجاء من دون وصول حقيقي. كل شيء بالمكتبة لا يرجو التقدم، من محتوى الأمكنة وشكلها حتى إحيائها بفعاليات تعيد للمكان قدسيته الأولى. فهنا مكتبات مغسولة بعجزها عن الولادة رغم أنها حبلى بكل العالم. لست أبالغ، حرقة تسلخ القلب من هذه الأمكنة، جنة تخلو من الزوار الأصدقاء وإن وجدوا فهم مارة، وهكذا صارت الجنان جحيماً مؤثثاً بالكتب. ونصير مستخدمي الكتب الذين منعوا من الدخول إلى المكتبة مثلما يقول أمبرتو إيكو. ولماذا لا ندخل إلى المكتبات العامة؟ نحن القراء الذين ندين لكل مكتبات الكويت الخاصة، والتي في كل عام ترسم وجهاً ثقافياً أخضر بديلا عن ذاك الذي يتآكل. لماذا نزور تلك بدلاً من المكتبات العامة؟ لماذا الآن تحولنا من ثقافة الإعارة التي من المفترض ان تقدمها المكتبات العامة إلى ثقافة الاقتناء التي تقدمها المكتبات الخاصة بأسعار متفاوتة ومبالغة أحياناً.. لماذا؟ ثمة شلل أصاب قدم الثقافة الكويتية بشكل عام منذ التسعينات، إلا أنها تواصل سيرها بعكاز «خالتي قماشة» جهة آمال الماضي باكتفاء ورضا. حين تهجر المكتبات العامة ما أي شيء من الممكن أن نعوّل عليه؟! المتاحف؟ المسارح؟ الصالونات الثقافية والمراسم؟ أم المؤسسات؟..

لا أدري، ربما لا شيء.. غير جهاز الرقابة الذي يمنع الكتب، ويحذف المشاهد من المسرح، واللقطات الأكثر حقيقةً من المسلسلات التلفزيونية.

ربما باستطاعتنا أن ننقذ جروح المكتبات العامة بعدة ضمادات الآن، وضمادات أكثر لثقافة كانت تصدر للخارج قبل أن تتمكن منها جروحها وتشيخ. ربما.. باستطاعتنا علاج الجروح الصغيرة قبل أن تغسلنا بدمها ورداها وحينها.. سندجن في حظيرة السكوت ونصفق لأي محرقة تقام لأجل الثقافة والكتب ونمضي محتفين بماضينا المتين.

أنا أخشى ذلك رغم اقتراب وقوعه..

وأرثي مبكراً.. هذا الموات.

مكتبات بلا قراء


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات