في بيان كاشف أصدرته وكالة الأنباء السعودية يوم السبت، الموافق السابع من سبتمبر 2019، يحدد مواقف المملكة تجاه العلاقات مع دولة قطر، في المحتوى الذي يشكل أساس الحل، وفي الآلية التي تأخذ المجلس إلى هذا الحل، فحول المحتوى يشدد البيان على ضرورة استجابة قطر لوقف دعم الإرهاب، وعدم احتضان المتطرفين، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأربع، حل هذه المسارات يجعل قطر جاراً وشريكاً وثيقاً، وفي الآلية يؤكد على الوساطة الكويتية وعبر منظومة مجلس التعاون، ويغلق الباب أمام الممرات الأخرى.

والكلام واضح جداً، لا سيما في اشارته إلى ما دار في قمة الرياض في ديسمبر 2018 بمشاركة وزير خارجية قطر حول أولويات المجلس في تطبيق الاتفاقية الاقتصادية وسرعة انجاز وتفعيل القيادة العسكرية الموحدة لقوات الدول الأعضاء، مع التنويه بدعوة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت إلى وقف الحملات الاعلامية التي تبث الفرقة وتمس القيم، ودخيلة على التقاليد الخليجية.

خلال إقامتي في الرياض من عام 1981 حتى 1993، شدتني حكمة القيادة السعودية ونضجها في معالجة القضايا، وأسلوبها في اختيار الآليات الفاعلة، وتداخل هذه الحكمة مع التسامح، وترافق سعة الصدر مع وقار الصبر، معززاً بالثقة الدائمة بالقدرة على الحل إذا ما ارتفعت المخاطر، كانت هذه الخلطة العجيبة من أبرز مقومات الدبلوماسية السعودية، وقفت عليها وبشكل بارز خلال تعاطيها مع غزو صدام حسين للكويت، ففيها القدرة على تشخيص الوقت الملائم للعبور من التسامح إلى التفاعل، ومن الاستماع للعذر إلى المواجهة، وبسرعة عجيبة تتحول الأصابع من أنامل ناعمة إلى أشواك جارحة.

وبكل وضوح ومنذ أسس الملك عبدالعزيز آل سعود هذا الكيان بمكوناته العجيبة، كان الحوار ملازماً لمهمات الحكم، كان الحوار والحزم هما العاملان المهمان في حياة المملكة، ولم تخرج عنهما، ولم تغفل دورهما، ولم تدر ظهرها لهما، كان سمو الأمير الشيخ صباح في الستينات يذهب إلى جدة والرياض، وكانت المناقشات عن ثمار الحوار وليس عن دمار المواجهة، كنت أرافقه في تلك الرحلات، وكان الملك فيصل - رحمه الله - تجسيداً لتراث الملك عبدالعزيز متسامحاً وصابراً وعاذراً، لكنه صلب وجريء وصامد.

خلال عملي كأمين عام لمجلس التعاون كنت أراقب المغفور له الملك فهد بن عبدالعزيز، وأجده متواصلاً مع الصفات التي زرعها الملك عبدالعزيز وحملها الملك سعود والملك فيصل والملك خالد، ورسخها الملك فهد، كان الملك فهد راشداً وناصحاً وموجهاً في دبلوماسية تحرير الكويت، وكان فارساً وجارحاً ومؤثراً عندما حان وقت المواجهة، وكنت أروي الكثير من الحالات التي شهدت فيها الملك يخرج من حلبات المواجهة إلى صرخة النمر القاطع، هذا التراث المسكون في جسم الحكم السعودي لا يمكن أن يتبخر لأنه عنصر قوي وحيوي في الجينات.

وعندما قرأت البيان السعودي شعرت بأن صيحة سمو الأمير في مؤتمر قمة الرياض في ديسمبر 2018 حول الإعلام وتأثيره المدمر لم تذهب سدى، وأن موقعها متوافر عندما يأتي وقتها وفق المعايير التي أعرفها برفض المملكة الاستكانة لدبلوماسية الجمود المعطل.

وبالطبع، لا بد من التحاور حول كيفية تحويل مقترح سمو الأمير إلى واقع يطوق تخريب الاعلام، ويطوي فصل المناوشات الاعلامية ويوقف الصواريخ العابرة للحدود، ويحد من حماس الذين وجدوا في الهبوط الاعلامي مجالاً لإشعال المتفجرات الاعلامية وتصويبها نحو الشخصانية والمساس بالقيم التي رافقت سلوكيات المنطقة منذ ولادتها مع تعرض للأسر والمقامات وبشكل بشع وسخيف.

فمن دون لقاءات وحوارات ومصارحات بين الأطراف لا يمكن أن يتحقق ما اقترحه سمو الأمير وما أشار إليه البيان السعودي والمعبر عن رؤية سعودية رسمية، وهذه الرؤية لا تأتي من التمنيات، وإنما من الاتصالات ومن المفاتحات الصريحة التي تبتغي خير مجلس التعاون وتهدف إلى إعادة الوقار في سلوكياته.

هذه المنطقة لم تعرف البذاءة وحتى في شدة التوتر مع الآخرين لم تنزلق إلى التلوث بالمهاترات ولم تطلق إذاعات متخصصة في فنون التلوث الاعلامي، ويمكن أن يكون البيان السعودي صوت النداء لوقفها ومسحها نهائياً من صفحات الدبلوماسية الخليجية.

ومن المنطق أن تتجدد المساعي التي ذكرها البيان عن المبادرة الكويتية، لإحلال التآلف مكان التباعد، مع بث الحياة في جسد مجلس التعاون الذي كان موقع اعجاب من جميع أعضاء الأسرة العالمية.

نقول دائماً إن منطقة مجلس التعاون هي العنصر الحيوي، في دبلوماسية النفط العالمية، فهي القادرة على اشباع نهم المستهلكين من الطاقة، وهي العامل على تثبيت واستقرار الاقتصاد العالمي، وهي آلية متينة لتعميق الأمن والسلم العالميين، لأنها ببساطة تدير منطقة حساسة في الاستراتيجية العالمية، وهي الوحيدة من بقاع العالم الثالث التي تتواجد مع الأعضاء في فضاء واحد وحول طاولة لمناقشة الاقتصاد العالمي في قمة العشرين التي تدير المال وتحرص على سلامته، فهذه الصفات اللصيقة بالأمن العالمي لا تسمح بالعبث بسلامة المنطقة.

لا بد من طرح القضايا الأربع كورقة جدول أعمال لمواجهات صريحة تعالج جذور الأزمة وليس ظواهرها، وتقف على ضمانات مؤكدة وصامدة تلزم الجميع ويتم ذلك برعاية سمو الأمير.

جاء مجلس التعاون من حصيلة نضج سياسي وأمني أفرزته التجارب التي عاشتها قيادة الدول الأعضاء وأدركت منها ما يفيد وما يضر، ووقفت على أن القيادة تنال الاحترام عبر كيفية تعاطيها مع الأزمات ومع وسائل تجاوزها، فهناك أمل بعودة الأفراح إلى فضاء المجلس، وبأسلوب مغايرعن فصل قديم انتهى زمنه، ونحن دائماً نقول إن فكر القيادة السعودية العاقل يسطع بحيوية عند الشدة.. والبيان الرسمي يبث العزم على فصل جديد قادم.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات