عرفت الراحل مشاري العصيمي أول مرة في شهر ديسمبر 1968، عندما عدت من دراسة اللغة الفرنسية ومبادئ القانون في الكثير من معاهدها وجامعاتها.. وقد أُرسلنا الى فرنسا لعدم وجود كلية حقوق بجامعة الكويت عندما افتتحت.. ولما افتتحت كلية القانون والشريعة، وكان مدرّسوها من فقهاء القانون والشريعة، يشار إليهم والى مؤلفاتهم بالبنان، ففضلت إكمال دراستي في وطني.. وهناك جمعتنا كلية القانون والشريعة في فصولها، كان عدد الطلبة في كل فصل لا يتجاوز 30 طالبا؛ لذلك كنا قريبين من بعض، وتخرّجت مع الصديق مشاري عام 1972، واخترنا مهنة النيابة التي التحقنا بها، وكنا سبعة من نفس الدفعة.. وقضينا سنتين في النيابة العامة، التي كان نائبها العام المرحوم فارس الوقيان، ومحاميها العام المرحوم وقيان الوقيان، وكانا من خيرة المعلمين وخيرة رجال عدالة، عاشرناهم حتى هذه الساعة..

اكتشفنا مشاري والفقير لله أنا، أن ميولنا المهنية وبنيان شخصيتينا لا تتناسب مع شخصية قاضي المستقبل «فقصينا الحق» من أنفسنا والتحقنا بشركة البترول الوطنية، كمساعدين للمستشار القانوني عام 1974، وقد وعدتنا الشركة بإرسالنا الى انكلترا لدراسة القانون هناك في مواضيع القوانين المقارنة Comparative Laws، وذلك لان الشركة كانت تدير المصافي المحلية ومحطات التعبئة، وكذلك نقل وشحن البترول والتسويق العالمي لنفط الكويت..

مشاري وأنا وزوجتي، لأن مشاري لم يتزوج حتى ذلك الوقت، سكنا في منزل أو شبه عمارة صغيرة في منطقة «غرب ايلنغ» West ealing، لأنها قريبة من جامعتنا التي تقع قرب مطار هيثرو، واسمها جامعة اوكسبرغ Auxbrig Uni، وكنا نذهب سويا صباح كل يوم لقاعة الدرس، ونرجع سويا ونقضي نهاية الاسبوع سوياً، ثم رجعنا للكويت لنعمل في شركة البترول الوطنية لنفس المدة التي ابتعثنا فيها للخارج.. ليعمل مشاري مديرا للدائرة القانونية في التأمينات الاجتماعية مع المرحوم حمد الجوعان، ليؤسسا تلك المؤسسة المشارك فيها كل أهل الكويت باقتدار وشرف وأمانة، ليختلفا مع أحد أركان الفساد في الكويت، الذي عيّن بعدهما المدير الهارب بمئات ملايين أهل الكويت!

عمل مشاري وحمد بالمحاماة في مكتب افتتحاه بنفسيهما، وعملت أنا بالمحاماة كشريك في مكتب المغفور له استاذي الكبير في المحاماة والإعلام المرحوم محمد مساعد الصالح، لكن علاقتي لم تنقطع مع مشاري قط، كنا نقضي عطلات الاسبوع معا في شاليه بمنطقة الضباعية، أما العطلات الصيفية فقد قضيناها معا وبرفقة زوجتينا وأطفالنا الذين تربوا مع بعض في تلك العطلات المثيرة، التي لا أزال أتذكر أيامها في الولايات المتحدة، ومعظم الدول الأوروبية المتحضرة، قبل أن يغزوها «صيادو البط في الحدائق العامة» الأوروبية!

بعد الغزو الغاشم نجحنا في انتخابات مجلس 1992 وكان من أفضل مجالس الكويت الانتخابية، يكفي أن 6 نواب منتخبين عيّنوا وزراء فيه، وهو أمر غريب غير مسبوق ولم يتكرر.. ثم خرجت من الوزارة ورجعت للنيابة لأزامل مشاري مرة أخرى كعضو في مجلس الأمة، وكان يجلس خلفي بقاعة عبدالله السالم يعلّق على مداخلاتي بتعليقات موجهة ومضحكة أحياناً.

كنا على نفس الخط مع باقي النواب الأفاضل في ذلك الوقت، أمثال: أحمد السعدون وجاسم الصقر وأحمد الخطيب وعبدالله النيباري وعبدالعزيز العدساني، ومحمد المرشد، وغيرهم من أنقياء الشخصيات النيابية.. واستمرت العلاقة مع مشاري بعد خروجي من المجلس عام 1996.. ولكن استمرت علاقتنا وصداقتنا..

المرحوم مشاري كان مثالاً للصدق والأمانة والكرم واحترام الصغير قبل الكبير، كان كذلك مع رفيقة حياته السيدة ابتسام الشلال ومع كل أولاده.. أولادا وبنات، وكان حقّا الصديق الصدوق.. رحمه الله وتغمّده برحمته، وجمعنا وإياه في جنات النعيم ان شاء الله..

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

هامش:

سعدت حقّا بما نشرته الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي عن منجزات وصفات وأعمال وأخلاق المرحوم مشاري، وتمنيت لو كان حيا ليسمع كل تلك الاشادات.. فماذا سيكون شعوره غير السعادة والفرح؟!.. فقلت لنفسي هذه عادة عربية يجب علينا أن نقلبها رأسا على عقب.. ليسمع عزيزنا المتوفى قبل أن يأخذ الله أمانته ليفرح كما نفرح الآن بعرض ايجابياته وما يشعر الناس به بخصوص شخصيته.

علي أحمد البغلي

Ali-albaghli@hotmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات