جايسون بلير

جايسون بلير

محمد أمين -

تمثل شبكة الإنترنت أكبر انفجار للبيانات في تاريخ البشرية. فهناك قدر أكبرمن البيانات، وقدرة أكبر للوصول إليها، من أي وقت مضى. إن النظام البيئي للمعلومات يشبه إلى حد ما الغابات الاستوائية المطيرة، حيث النماءالوافر والأشجار الكثيفة والتنافس الشديد. وكذلك، هناك عدد كبير من الحيوانات المفترسة والنباتات السامة.

يمكن أن تجد في الانترنت المقالات والمنشورات المضللة على المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، بشكل متعمد لأسباب مختلفة، فمنها ما يحاول التأثير في الانتخابات أو السياسات. ومنها ما يكون شكلاً من أشكال الحرب الإلكترونية بين الدول. ومنها ما يهدف الى تحسين صورة أو نفوذ شخص ما، أو تشويه سمعة خصومه. أو ربما يتعلق الأمر بكسب المال فقط، والاعتماد على الطبيعة المذهلة للأكاذيب الفاحشة لتضخيم إيرادات الإعلانات، كما في حالة «الاندفاع الرقمي للذهب» الذي شهد مدينة مقدونية صغيرة تسجل أكثر من 150 موقعًا تروّج لترامب خلال انتخابات الرئاسة عام 2016.

يقول الكاتب ديفيد شريعتمداري في صحيفة غارديان، ان هناك شيئا واحدا مشتركا بين كل ذلك هو اللغة التي يتم استخدامها.

من المهم وجود طريقة موثوقة للتعرف على الأخبار الكاذبة. السبب الذي يجعلها تمثل مشكلة هو أنها تحاكي التقارير الموثوقة، ولا يستطيع الناس تحديد الفرق بينهما. لهذا السبب، حاول الباحثون خلال السنوات القليلة الماضية تحديد ماهية الخصائص اللغوية للأخبار الكاذبة. فأجهزة الكمبيوتر التي تتم تغذيتها بالمواد المصنفة بالفعل على أنها مضللة، قادرة على تحديد أنماط اللغة المستخدمة. وبالتالي، يمكنها بعد ذلك تطبيق تلك المعرفة على المواد الجديدة، ووضع علامة عليها على أنها مشكوك فيها.

أحد هذه المشروعات، تقوده فاطمة ترابي من جامعة سيمون فريزر في كندا، وجد أخيرا أن «المقالات المزيفة في المتوسط تستخدم كلمات أكثر ارتباطاً بالجنس والموت والقلق». وغالبًا ما يتم استخدام لغة «عاطفية بإفراط». في المقابل، «الأخبار الحقيقية تحتوي على نسبة أكبر من الكلمات ذات الصلة بالعمل (التجارة) والمال (الاقتصاد)».

وقامت مجموعة أخرى من الباحثين بتحليل العلاقة بين الفئات النحوية المختلفة والأخبار المزيفة، وخلصت إلى أن الكلمات التي يمكن استخدامها للمبالغة وجدت في كثير من الأحيان في مصادر تعمدت التضليل. وتضمنت هذه المصادر صيغ التفضيل، مثل «الأكثر» و«الأسوأ»، وصيغ غير موضوعية مثل «اللامع» و«الرهيب».

وأشار الباحثون إلى أن الدعاية تميل إلى استخدام التعميمات المجردة مثل «الحقيقة» و«الحرية»، وأظهرت بشكل مثير للاهتمام أن استخدام ضمير الشخص الثاني «أنت» يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأخبار المزيفة.

بعض هذه الأساليب لها مشاكلها. إذ يحذر جاك غريف، من جامعة برمنغهام، من أن العلماء ليسوا ملمين دائمًا بصنوف الأدب، لذا فإن الاختلافات في اللغة الموضحة قد تنخفض بين مقالة إخبارية رسمية ومنشور على فيسبوك.

وللتغلب على هذه المشكلة، قام فريق غريف بمقارنة 40 مقالة تمت مراجعتها و 41 مقالة لم تتم مراجعتها للكاتب جيسون بليرالذي استقال من صحيفة نيويورك تايمز بسبب فضيحة عام 2003. في مقالاته التي خضعت للمراجعة، استخدم المزيد من كلمات التأكيد مثل «حقًا» و«الأكثر«. واستخدم كلمات أقصر ولغته كانت أقل »كثافة إعلامية«. وتكرر استخدامه للفعل المضارع، واعتمد على ضمائر الشخص الثالث»هو«و»هي» بدلاً من الأسماء، وهو الشيء المألوف في الرواية.

ماذا يعني كل هذا؟ من الواضح انه ليس لدينا وسيلة مضمونة لفرز الحقيقي عن المزيف في ما ينشر على الانترنت، ولكن هناك بعض الميزات التي يجب أن نحذر منها. فهل الكتابة غير رسمية أكثر مما كنت تتوقع؟ هل تحتوي على كثير من التفضيلات واللغة المؤكدة؟ هل تصدر أحكاماً ذاتية أم تُقرأ مثل سرد أكثر من كونها ريبورتاجا؟ في النهاية، قد نضطر إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي للقيام بهذه المهمة الصعبة، ويجب أن يخبرنا ما إذا كانت تلك الأنماط اللغوية الوهمية التي شوهدت في مجموعات البيانات الكبيرة من الأخبار المزيفة، غير المرئية لـ»العين المجردة«، موجودة أم لا.

اللغة الكاذبة ببياناتها الشخصية القوية والتركيز على القلق، فيها أشياء مشتركة مع تلك المستخدمة من قبل القادة الشعبويين. فمن حيث الأسلوب، ينطوي خطابهم في كثير من الأحيان، على»لهجة عدوانية وعاطفية ووطنية وتحريضية» يجب أن نحذر منها. أما المقالات العقلانية الهادئة، فقد تبدو مملة، لكنها تقربنا إلى الحقيقة أكثر.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات