اسمحوا لي بأن أنقل إليكم ما قرأته عن رسالة بعث بها شاب يمني إلى مذيعة لبنانية.. ولم أتحرَّ دقة الموضوع بسبب جمال كلمات الرسالتين.

ما همني في الموضوع هو جمال رسالة الشاب اليمني، وروعة رد المذيعة اللبنانية.

الغرض من موضوعي هذا هو أننا كثيراً ما نحكم ونعطي رأياً حول أمور شكلية وسطحية من دون أن نعرف ما في الأعماق، وما هو حقيقي.. هناك أمور عميقة فينا كلنا، لا تبدو على السطح، لأنها ليست مشاعاً، وليست متاحة للجميع لخصوصيتها، وقد تكون مؤلمة وقاسية ومرهفة.

قرر الشاب اليمني أن يبعت رسالة إلى مذيعة إحدى القنوات اللبنانية، وفوجئ في اليوم الثاني بردّ على رسالته أطول من رسالته!!

مما كتبه الشاب اليمني: «أتدركين ماذا يعني أن شابّاً يمنياً، يمقت السياسة والحديث عنها وسماع أخبارها، يقف مشدوهاً بالنظر إليكِ مبتسماً وأنتِ تتحدثين عن كوارث بلده؟ أتدركين كم يودّ أن يكون ولو مرةً واحدة مكان أولئك الذين يظهرون، ليحادثك على الهواء مباشرة من أجل أن يخبركِ ما يجعل الأخبار السيئة محببة.. ومن التناقضات ما تجعل الأبكم ينطق!».

وبعد الكثير من الكلام - وهو في غالبه شخصي - يستطرد الشاب بالقول: «اظهري في خبرٍ عاجل، قولي فيه إن القدس تحررت، والسودان أصبح آمناً، وسوريا أضحت عامرة، وتوقفت الحروب في اليمن.. قولي تلك الأشياء وسأصُدّق.. معكِ الأنباء قابلة للتصديق..».

وجاء الرد من المذيعة بكلمات رائعة، مطلعها: «قرأت رسالتك فابتسمت مرة، وحزنت مرتين.. ابتسمت بفطرة الأنثى التي يسرها سماع كلمات الثناء وإن أخفت ذلك.. وحزنت مرتين، مرة عليك، والأخرى عليّ.. إنها لعنة الجمال.. اللعنة التي تقتل الجميع.. تصيب الرجال بمرض العشق.. وتصيب النساء بمرض الغيرة والحقد.. وتصيب الجميلة بمرض الوحدة والاكتئاب.. يتسابق الجميع إليها لكنهم يظلون في ميدان السباق ولا يصل إليها أحد، وإن وصل يتعس من تعاستها، يحب امرأة هي في قلوب الجميع حتى يشعر بأنها لم تعد ملكه الخاص فقد صارت للجميع.. الجميلات هن أتعس الفتيات.. يكسرن قلوب البسطاء الذين تعلقوا بهن، ويكسر قلوبهن الأثرياء الذين يشتروهن كتحفة منزلية..

نحن المذيعات لسنا جميلات، وإن امتلكنا بعض الجمال.. إنه فن الخدعة يا صديقي، جمال محشو، ملامح مركّبة، تحزن إحدانا لسقوط رموشها الصناعية أكثر من سقوط الضحايا.. وتخشى الأخطاء الفنية أكثر مما تخشون أخطاء القصف.. ما نحن يا صديقي إلا دمى بشرية، أو آلة إعلامية تقرأ الأخبار السيئة والجميلة بنفس الشعور والملامح، فلا فرق بين افتتاح مقهى ليلي وبين سقوط عشرة ضحايا من أطفالكم ليلاً..

عفواً.. لم أسألك عن أخبارك؟ لأنني أعرفها جيداً، أعرف أنها أخبار سيئة كحال البلد الذي تعيش فيه.. ثمة لصوص يظهرون على حساب المساكين، يعيشون في أرقى الفلل ويتكلمون كذباً بألسنة الكادحين.. أحاديثهم ركيكة، وآراؤهم متناقضة، ومعلوماتهم متضاربة.. خوّلوا لأنفسهم الحديث باسمكم جشعاً في مئتي دولار بعد كل حديث.. إننا نعاني منهم أكثر مما تعانون.. وربما نلعنهم أكثر مما تلعنون.. لكنني أبارك لهذا البلد التعيس بك وبالشعراء المغمورين فيه.

دعنا منهم الآن.. أعرف أنكم تحسدون رجالنا على جمالنا، لكنك لم تعرف أننا أيضاً نحسد فتياتكم عليكم، وعلى مشاعركم المفعمة بهذا الإحساس المرهف، نحسدهن على كلماتكم الأخّاذة التي تلامس قلب الأنثى..».

جسّدت هذه المذيعة الإنسانة مأساتها بجملة واحدة لخّصت الموضوع كله: «تحزن إحدانا لسقوط رموشها الصناعية أكثر من سقوط الضحايا..».. كم أنت رائعة ومرهفة أيتها الإنسانة!

إقبال الأحمد

iqbalalahmed0@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات