«التمييز»: الحرية في الكويت أسلوب حياة

مبارك حبيب -

في حكم نهائي بارز، أكدت محكمة التمييز «ان الحرية في الكويت أسلوب حياة، ومنهج تأصل في نفوس الناس عبر دروب من الممارسات والتجارب، وحرص دستور البلاد على هذه الحرية، ونص عليها مؤكداً حق المجتمع من النهل منها». ولفتت المحكمة بعد أن قضت ببراءة مغرد كويتي مؤيدة حكمي أول درجة والاستئناف، في قضية «أمن دولة» إلى ان تعليق المغردين على شؤون الدول ومتغيرات الشعوب الأخرى من خلال إبداء الرأي وليس إبداء سوء النية لا يعتبر عملاً عدائياً.

ورفضت المحكمة طعن النيابة العامة التي طالبت بعقاب المتهم وإلغاء تبرئته، مشيرة في حيثياتها إلى أن الحكم الابتدائي المؤيد بالاستئناف والذي صادقت عليه التمييزقد بحث الدعوى عن بصر وبصيرة، وأثبت ان العبارات محل التغريدات في هذه القضية لم يقصد منها القيام بغير إذن من الحكومة الكويتية بعمل عدائي ضد دولة أخرى.

وأضافت الحيثيات: «فضلاً عن أن تلك العبارات لا ترقى إلى قيام الأعمال العدائية بحقها، ترى المحكمة أن ما قرر به المتهم من أن تلك التغريدات لا تنطوي بذاتها على الدليل المثبت لتوجه قصده إلى إضعاف هيبة الدولة، واعتبارها كما جاءت بالتهمة الثانية، أو إلى التحريض علناً على قلب نظام الحكم في الكويت كما جاء في التهمة الثالثة، أو الدعوة إلى الثورة أو التظاهر من دون ترخيص كما جاء في التهمة الرابعة، فلم يثبت إطلاقاً للمحكمة أن المتهم ارتكب أي عمل مادي ملموس أو محسوس يمكن وصفه بالعدائي ضد دولة أخرى».

واستطردت المحكمة «كما لم يثبت لدى المحكمة الابتدائية أن المتهم أذاع أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة، الهدف منها إضعاف هيبة الدولة واعتبارها، أو أنه حرض على قلب نظام الحكم، أو أنه دعا إلى التظاهر والثورة بغير ترخيص، فلم يصدر منه قولاً ينطوي على خطر معين».

واوضحت ان التحدث عن بعض الأخبار لدول الجوار والتعليق عليها بالإيجاب أو السلب من دون تجريح أو خروج عن المألوف والنقد في أعمال الحكومة وظروف الشعب المتغيرة بحسب الظروف والملابسات وإبداء الرأي في هذه الأمور من دون سوء نية والدعوة إلى حكومة منتخبة بالطرق المشروعة والمقررة في الدستور جميعها من الأمور المباحة.

ورأت المحكمة أن ما أبداه المتهم حول هذه الأمور يدخل في نطاق الحرية التي تهم المجتمع ويتمتع بها الموجودون بالكويت، وهذه الحرية هي أسلوب حياة ومنهج تأصل في نفوس الناس عبر دروب من الممارسات والتجارب، فكان الحرص على أن يمسك دستور البلاد بهذه الحرية لينص عليها ويؤكد حق المجتمع في أن ينهلوا من هذه الحرية.

وقالت المحكمة ان المتهم، وإذ كان قد أطلق تغريداته بشأن دولة أخرى والكويت، ويبدي رأيه في أمور ارتأت النيابة العامة أنها تنطوي على أعمال عدائية، وإذاعة أخبار كاذبة ومغرضة، والتحريض على قلب نظام الحكم والدعوة إلى التجمهر والثورة، فإن المحكمة لا تساير النيابة العامة في ما ذهبت إليه، وأن ما حوته تلك التغريدات لا تعدو أن تكون رأياً مطروحاً على الكافة بين مؤيد ومعارض، فلا يعني بالضرورة صحة ما جاء به، الأمر الذي ترى معه المحكمة عدم توافر الأركان القانونية للجرائم المسندة إلى المتهم.

المحكمة تشكك

أكدت المحكمة في حيثياتها أنه يكفي في المحاكمات الجزائية أن تتشكك محكمة الموضوع في صحة إسناد التهمة إلى المتهم لكي تقضي له بالبراءة، ما دام حكمها يشتمل على ما يفيد بأنها محصت الدعوى وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت التي قام عليها الاتهام عن بصر وبصيرة.

كل الأدلة

أوضحت محكمة التمييز ان ما أورده الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه يكشف بجلاء عن أن محكمة الموضوع بدرجتيها لم تقض بالبراءة إلا بعد أن أحاطت بوقائع الدعوى وعناصرها وألمت بها وفطنت إلى كل الأدلة التي قام عليها الاتهام وخلصت المحكمة في حدود سلطتها في وزن عناصر الدعوى وتقدير أدلتها وهو ما لم تخطئ المحكمة في تقديره.

لا مصادرة للعقيدة

أكدت المحكمة أنه بعد الموازنة بالأدلة في هذه القضية، فإنه ينتفي الدفع بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال عن الحكم ويضحى ما تثيره النيابة العامة في أسباب طعنها محض جدل موضوعي في سلطة محكمة الموضوع في تقديرعناصر الدعوى وأدلتها، مما لا يجوز مجادلتها فيه أو مصادرة عقيدتها في شأنه أمام محكمة التمييز.

الإساءة إلى الآخرين.. ليست حرية

رأى متابعون قانونيون ان هذا الحكم ليس بغريب على القضاء الكويتي المؤيد للحريات، وفي الوقت ذاته أكدوا ان محاكم التمييز ذاتها أصدرت في هذا العام عدة أحكام بحبس مغردين تجاوزوا حرية التعبير، واكدت المحاكم في حيثياتها ان الخروج عن حدود الحريات والإساءة إلى كرامات الناس لا يعتبر من حرية التعبير ولم ينص عليه الدستور الكويتي.

5 اتهامات التفتت عنها المحكمة:

أُحيل المتهم الذي برأته «التمييز» بخمس تهم أمن دولة هي:

 1 - قام بغير إذن من الحكومة بعمل عدائي ضد دولة أجنبية في مكان عام «تويتر» عبر حسابه الشخصي، بكتابة عبارات من شأنها تعريض الكويت لخطر قطع العلاقات السياسية.

2 - بصفته كويتياً باشر نشاطاً من شأنه الإضرار بالمصالح القومية للبلاد بأن نشر وأذاع عمداً في الداخل والخارج أخباراً وإشاعات كاذبة ومغرضة حول الأوضاع الداخلية للبلاد، وكان من شأن ذلك إضعاف هيبة الدولة.

3 - حرض علناً وفي مكان عام عن طريق الكتابة ونشر العبارات المبينة بالأوراق على تغيير وقلب نظام الحكم القائم في الكويت بطرق غير مشروعة وبالمخالفة لأحكام الدستور.

4 - نشر في موقع التواصل الاجتماعي عبارات تدعو إلى الثورة والتظاهر من دون أن يكون مرخصاً بها.

5 - أساء عمداً استعمال وسائل الاتصالات الهاتفية بأن استخدم هاتفه النقال المبين وصفاً بالتحقيقات.


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات