الجانب الأخلاقي التربوي في حياة الإمام الحسين

إعداد: عمار كاظم -

وُلِد الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) في الثالث من شعبان عام 4ﻫ في المدينة المنوّرة. لُقّب (عليه السلام) بـ: سيِّد الشهداء، أبو الأئمّة، سيِّد شباب أهل الجنّة، السيِّد، الرشيد، الشهيد، الزكي، الطيِّب، المُبارك، السبط، التابع لمرضاة الله، الدليل على ذات الله. أُمّه السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن بين ولادة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) وولادة أخيه الإمام الحسين (عليه السلام) من بعده إلا ستة أشهر، وهو ما أكّده أكثر المؤرخين. كان أهل البيت (عليهم السلام) قدوة عملية للسلوك الأخلاقي الأصيل الذي يدعو إلى التحلّي بالخلق الكريم الذي يبرز هويّة الإنسان في انفتاحه على ربّه وعلى إنسانيته. ومن أئمّة أهل البيت، الإمام الحسين، السبط الشهيد (عليه السلام)، الذي جسّد في أقواله وأفعاله أخلاق جدّه رسول الله وأبيه عليّ وأُمّه الزهراء. حيث تربّى الإمام (عليه السلام) في جو مشحون بالإنسانية والمبادئ السامية. ومضت الأيّام ليظهر الإمام الحسين (عليه السلام) على مسرح الحياة وهو صبي يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فقد رُوِي أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) رأيا أعرابياً يتوضأ بشكل خطأ، فتقدّما وطلبا منه أن يشرف على وضوأيهما ليعرفا أي الوضوأين أحسن! فقال الحسين (عليه السلام) للأعرابي: «أيّنا يحسن الوضوء؟ فأجاب الأعرابي: كلاكما تحسنانه، روحي لكما الفداء، ولكن أنا الذي لا أحسنه». وترعرع الإمام الحسين (عليه السلام) في البيئة الطاهرة تحت رعاية الأنوار الثلاثة الأُولى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام)، وشاء الله تعالى أن يُعرِّف الناس كرامته، حينما بشّره بالجنّة وهو طفل صغير.

سُئِل الإمام الحسين (عليه السلام) عن خير الدُّنيا والآخرة، فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعدُ: فإنّه من طلب رضا الله بسخط الناس، كفاه الله أُمور الناس، ومن طلب رضا الناس بسخط الله، وكلّه الله إلى الناس. والسلام». وقد بيّن (عليه السلام) أقسام العبادة ودرجات العُبّاد، قائلاً: «إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادةُ العبيد، وإنّ قوماً عبدوا اللهَ شُكراً فتلك عبادةُ الأحرار، وهي أفضل العبادة». وقال (عليه السلام) عن آثار العبادة الحقيقية: «مَن عَبَدَ الله حقَّ عبادته، آتاه الله فوق أمانيه وكفايتهِ». وسُئِل عن معنى الأدب، فقال: «هو أن تخرج من بيتك، فلا تَلقى أحداً إلا رأيت له الفضلَ عليك». وقال (عليه السلام): «مالُك إن يكن لك كنتَ له، فلا تبق عليه؛ فإنّه لا يُبقي عليك، وكُله قبل أن يأكلك».

من هذا المنطلق، ومن أجل استقرار المجتمع وتوازنه، ومن أجل استمرارية الحياة بما يليق بها من عزّة وكرامة، وذلك ما انطلق به الإمام الحسين (عليه السلام)، من مبادئ جعلها أساساً لثورته المباركة؛ الثورة على الذات المهادنة في الحقّ، والمتهاونة في تغييب الحقّ والتعدّي عليه، الثورة على كلّ ذي ضمير ميت باع نفسه وأهله ومحيطه للشيطان وجنوده، الثورة على كلّ ظلم وظالم وجور يلوّن الواقع بالسوداوية، والثورة على النفس التي تخضع للأشخاص والمواقع، مهما كانت، من دون أن تعي شرعية كلّ ذلك، ومن دون أن تراعي حدود الله في كلّ ذلك. 

المسألة العاطفية في الذكرى الحسينية

المسألة العاطفية، هي مسألة إنسانيّة الأبعاد، إسلامية الروح، غنيّة المؤثرات، كثيرة المعطيات. إنّها تمنح الفكر حرارته وحيويته، وتُخرجه من جموده، وتقوده إلى النشاط والحركة، وتُخرجه من حالة فكرية ليدخل في حالة إيمانية. وهي تزيد الإنسان ارتباطاً بمواقعها، واتّصالاً بقضاياها، ما يجعل الحالة الفكرية ــــ في خصوصيات المبدأ والشخص والموقف ــــ حالةً قريبة من الشعور، منفتحةً على الوجدان، بحيث يمنحها ذلك بعضاً من القوة والانفتاح والثبات في النفس والامتداد في الواقع ومن المؤكد ضرورة الارتباط العاطفي بالحسين (عليه السلام) والصفوة الطيبة من أهل بيته وأصحابه، تماماً كما هو الارتباط العاطفي بالنبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والطاهرين من أهل بيته وأصحابه. لأنّ ذلك ما يمنح المؤمنين الصلة الروحية بهم، والحرارة في الالتزام الرسالي بالخط الذي يلتزمونه والنهج الإسلامي الذي يدعون إليه. لأنّ المعادلات العقلية لا تعطي الإنسان حيويّة الرابطة الإسلامية الإيمانية بالقيادات الإسلامية التاريخية، لا سيما الذين ابتعد التاريخ بهم على مستوى القرون والأجيال، ما يجعل من مسألة استعادتهم إلى الذاكرة التاريخية قضيةً متصلةً بالحيوية الذاتية بالإضافة إلى الحيوية الفكرية، ليتكاملا في تحقيق عودة التاريخ إلى الواقع. وتضاف المسألة الفكرية إلى المسألة العاطفية، لأنّ الفكر المنفتح على العاطفة يجعل لها هدفاً كبيراً تتجه إليه، وتذوب فيه، وتتمحور حوله.. لئلا تكون العاطفة مجرّد فقّاعاتٍ انفعاليةً تتفتّح في الشعور ثم تنفجر في الهواء، أو حالةً دخانيةً تختنق فيها الذات ثمّ تقذفها في الفراغ، أو تكون انفعالاً نفسياً لا يلبث أن يهدأ ويبرد عندما يعبِّر عن نفسه، بطريقةٍ تنفيسية بكائية.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات