المؤمن يستر وينصح.. والفاجر يهتك ويفضح

إشراف موسى الأسود -

الستر على الناس مطلب شرعي، وخلق اسلامي نبيل، وعلى المسلم أن يكون محبا للستر على الاخرين، لكي يستره الله تعالى في الدنيا والآخرة، فما من أحد إلا وله ذنوبه وأخطاؤه ومعايبه، يقول أحد السلف: لو كان للذنوب ريح لما استطاع أحد أن يجلس إلى أحد. وقد روي: لو تكاشفتم ما تدافنتم. يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِى الدُّنْيَا عَلَى خِزْيَةٍ سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ». ويقول عليه السلام: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال، وليس بخارج» وردغة الخبال: عصارة أهل النار. وكل إنسان بحاجة إلى ستر الله تعالى عليه. ان التشهير بالناس من الأمراض الخطيرة التي يتعدى شرها إلى كل فئات المجتمع؛ فتطال أعراض الناس وحرماتهم، خاصة في ظل تطور مواقع التواصل الذي يشهده

العالم، حيث يتخذ المشهِّر التقنية سبيلاً للنيل من الآخرين والطعن فيهم وتشويه سمعتهم. والإسلام يدعو الى الستر وصيانة الأعراض وعدم تتبع عورات الناس والتشهير بهم، فالله عز وجل ستير يحب الستر، ويأمر عباده به. وقد جعل الله عز وجل الجزاء من جنس العمل.. فمن ستر عورة أخيه ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته، حتى يفضحه بها في بيته.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم. فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على ستر العاصين، فحينما زنى ماعز، أمره رجل يسمى هزال بأن يذهب للنبي صلى الله عليه وسلم، ويعترف أمامه بالزنى، فقال صلى الله عليه وسلم لهزال: «لو سترته بثوبك كان خيرا لك».

حسن الظن

وهذا يفرض على كل مسلم، إذا سمع عن أخيه ما يسوؤه أن يبادر بحسن الظن به، ويرد غيبته حتى لا يشارك في الإثم. قال صلى الله عليه وسلم: من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة.. وإذا شاهد خطيئة تتعلق بعرض أخيه المسلم ولم يجاهر بها فعليه أن يبادر بالستر وألا يفضح أمره أمام الناس، ولا يتناقل الكلام.. فالإنسان مطالب بالستر على من ليس معروفا بالأذي والفساد.. فلا ينبغي فضح امرئ ستر نفسه.. فالإنسان الذي غلبته نفسه فعصى الله في السر ولم يجهر بمعصيته لا يجوز أن نفضحه، وننشر خطأه بين الناس. ويجب ألا نفضح أمر ذوي الهيئات، وهم الذين اشتهر فضلهم بين الناس والذين كثر خيرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود.. فإذا وقعت لهم عثرة يجب أن تقال عثرتهم، وألا تكشف سوأتهم، لئلا تنعدم قدوتهم عند الناس. فالستر على المستتر بمعصيته واجب، وفيه أجر عظيم، ويحرم تتبع عورته واستكشاف أمره، ورد عن دُخين كاتب عقبة بن عامر (رضي الله عنه) قال: قلت لعقبة إن لنا جيراناً يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشرطة فيأخذونهم. فقال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم. قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دُخين فقال: إني نهيتهم فلم ينتهوا، وأنا داع لهم الشرط. فقال عقبة: ويحك لا تفعل فإني سمعت رسول الله يقول: من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موؤودة من قبرها. وحذّر الرسول (صلى الله عليه وسلم) من تعيير الناس بالذنوب فقال: من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله. وقال (صلى الله عليه وسلم): أيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء، يرى أن يشينه بها في الدنيا، كان حقا على الله تعالى أن يرميه بها في النار؛ ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ..».

النصيحة

وإذا كان الإسلام يدعو للستر على المخطئ فهذا ليس معناه أن نكون سلبيين معه، أو أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ما يرتكبه من أخطاء.. ولكن يجب علينا أن ننصحه بالحكمة والموعظة.. فالستر لا ينافي النصح بل يتطلبه.. فإن لم تؤت النصيحة ثمرتها ولم يستجب، وكان الستر عليه سببا في ازدياد جرائمه، مما يخل بأمن المجتمع وجب رفع أمره إلي الحاكم، لأن السكوت عليه يزيده تبجّحا وإفسادا، فالاسلام يحرص على سلامة المجتمع من العلل والأمراض، قال رسول (صلى الله عليه وسلم): «من رأي منكم منكرا فليغيّره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».. فإذا رأينا شخصا وقع في الخطأ يجب علينا أن نساعده في الإقلاع عن هذا الذنب، ونفتح له باب الأمل في التوبة، ونقدم له النصيحة بالرفق واللين.. فالمؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعيّر.. ويجب أن تكون في السر لأن النصيحة على الملأ فضيحة.. قال الإمام الشافعي: «من وعظ أخاه سرّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه»..

المجاهرة

من يجاهر بالمعصية ويتفاخر بها ويسعى لنشر الرذيلة والفساد في المجتمع.. فهذا ليس لهم حرمة، فمثل هؤلاء هتكوا الستر الذي بينهم وبين الله. ويجب أن يواجهوا برفض المجتمع حتى يكفوا عن ارتكاب المعاصي، وذلك بفضح أمرهم حتى يعرف الناس حالهم، ويتقوا شرهم ويتجنّبوهم. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه.

والمجتمع مطالب بالتصدي لمروّجي الفاحشة، حتى لا ينتشر الفسق في المجتمع، لأن شيوع هذه الأمراض وانتشار هذه الأوبئة في جسد الأمة وعدم إنكارها ومحاربتها نذير بانهيار المجتمع.. فهذه سُنة الله في كونه.. فعندما تفشّت الفاحشة في بني إسرائيل وكانوا كما ذكر القرآن الكريم «وأني فضلتكم على العالمين». ولكن عندما ظهرت الفاحشة ولم يحاربوها، قال عنهم الله تعالى: «لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون». (المائدة: 78 ـــ 79).. وتلك سُنة الله، ولن تجد لسُنة الله تبديلا.

حكم وأقوال

ــ من عجائب الانسان أنه يفر من سماع النصيحة، وينصت إلى سماع الفضيحة.

ــ سماؤنا بها أكثر من مئة مليار مجرّة، والمجرّة تحتوي ملايين النجوم، والنجم الواحد أكبر من أرضنا بمليارات المرات.. سبحانك ربي ما أعظمك «والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون».

ــ يقول بعض الحكماء: المعصية باب مغلق! إن تجرّأت على فتحه مرّة فسيسهل عليك فتحه مرات، وهي خطوة قد تتبعها خطوات، فاحرص على قتل الخطوة الأولى..!

ــ الفقيه هو من لم يقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يؤمّنهم مكر الله.

ــ كان أول دعاء موسى (عليه السلام) بعد الإعلام بالنبوة «رب اشرح لي صدري»؛ فالمهمات الصعبة تحتاج انشراحاً في الصدر ــــ وهو محل الإرادة ــــ لحمل أمانتها.

ــ لا تيأس، فأحياناً تكون لحظة اليأس هي لحظة الوصول.

ــ من لم يجلس في الصغر حيث يكره، لم يجلس في الكبر حيث يحبّ.

ـــ الغضب والتعصّب يعميان الإنسان عن الفهم الصحيح.

ــ غلبة الحجة أحب إليّ من غلبة القدرة، لأن غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.

لو علم المتصدّق حقّ العلم، وتصوّر أن صدقته تقع في يد الله قبل يد الفقير، لكانت لذّة المعطي.. أكبر من لذة الآخذ.

ــ الذين يفقدون الشجاعة، دائما يبحثون عن المنطق لتبرير خوفهم.

ــ الصمت هو العلم الأصعب من علم الكلام.

ــ تخمة البطون.. تُرهل العقول!

التجمّع للعزاء بعد الدفن

العزاء في الكويت غالباً ما يكون في البيوت، حيث يجتمع أهل الميت في أحد البيوت لاستقبال الناس، ما يذهب الحزن عن أهل الميت ويخفّف عنهم، حتى أصبح هذا عرفاً عندنا، فهل هذا الأمر جائز شرعاً أم لا؟ فإذا كان هذا الأمر جائزاً فما توجيهكم الشرعي للأثر: كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت من النياحة. حيث إن البعض يمتنع عن العزاء لهذا الأثر. أفتونا مأجورين؟ هذا السؤال عُرض على لجنة الفتوى بوزارة الاوقاف، وأجابت اللجنة بما يلي: اختلف الفقهاء في الاجتماع في البيوت للتعزية على مذهبين، فذهب البعض إلى كراهته، لحديث جرير بن عبدالله البجلي، قال: «كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» (رواه ابن ماجة). وذهب البعض الآخر إلى جوازه، بل نص المالكية على أن الأفضل الاجتماع للتعزية في بيت المصاب، وقال الحنبلية: المكروه البيتوتة عند أهل الميت، وأن يجلس إليهم من عزّى مرة، أو يستديم المعزي الجلوس زيادة كثيرة على قدر التعزية. ولا بأس بجلوس أهل الميت للعزاء بعد دفنه في البيت أو في المسجد، والناس يأتونهم ويعزونهم، لحديث عمرة قالت: سمعت عائشة (رضي الله عنها)، قالت: لما جاء النبي، (صلى الله عليه وسلم)، قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من صائر الباب شق الباب فأتاه رجل، فقال: إن نساء جعفر ـــــ وذكر بكاءهن ـــــ فأمره أن ينهاهن. (رواه البخاري ومسلم). وعن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال: «خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في جنازة، فرأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو على القبر يوصي الحافر يقول: أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه، فلما رجع استقبله داعي امرأة فأجاب ونحن معه، فجيء بالطعام..». (رواه أبو داود). لما في ذلك من البر والمعروف والتواصل بين الناس والمواساة، وقد تعارف الناس على ذلك، وعملوا به؛ وأما حديث جابر بن عبدالله البجلي المتقدم، فقد عارضته هذه الأحاديث المذكورة آنفاً. وتوصي اللجنة بألا تزيد مدة العزاء على ثلاثة أيام، مع تجنّب الإسراف والمباهاة في ذلك. والله أعلم.

الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم

القول بأن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم، خطأ مخالف لما ثبت في السنة الصحيحة الدالة على أنهم ينسبون لآبائهم، وقد بوب البخاري في صحيحه: باب ما يُدعى الناس بآبائهم، وساق تحته الحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ. وما ورد من أن الناس يدعون بأسماء أمهاتهم، ضعيف. قال ابن القيم في «تحفة المودود بأحكام المولود: الفصل العاشر في بيان أن الخلق يدعون يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم. هذا الصواب الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة، ونص عليه الأئمة كالبخاري وغيره. وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ. وزعم بعض الناس أنهم يدعون بأمهاتهم، واحتجوا في ذلك بحديث ضعيف لا يصح، وهو في معجم الطبراني من حديث أبي امامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله. الحديث، وفيه: فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال فلينسبه إلى أمه حواء يا فلان ابن حواء. فالحديث ضعيف ولا يجوز الاحتجاج به. والأب مطالب بان يختار الاسم الحسن لولده. والاسم دليل على صاحبه، فهو يسمو به ويحدده فيُعرف به إذا ما ذكر. والاسم الحسن يحمل لصاحبه ولمن يسمع ذكره فَألاً حسناً، ويبعث فى نفسه نشوة يستعذبها ويُسر بها. والاسم القبيح على الضد من ذلك.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات