أين الرحمة يا ناس؟

لو جرب التعليم شوقي ساعة

لقضى الحياة شقاوة وخمولا

هكذا صرّح الشاعر الراحل إبراهيم طوقان، مختصرا معاناة المعلم منذ الأزل البعيد.

زاويتنا «هموم معلم» نفتح من خلالها الباب على مصراعيه للتعرف على هذه الهموم عن قرب، وكل كلمة هنا ليست من نسج الخيال، لكنها من واقع مرير، علنا نسهم في حل معاناته وتطوير التعليم.

زاويتنا تعمل على توثيق صرخات المعلمين، من خلال الاستماع لآهاتهم والتعرف على شجونهم وكشف الحقائق.

أين الرحمة يا ناس؟

سارة معلمة للمرحلة الثانوية، تفانت في عطائها عشرين عاما وأخلصت في عملها، وفضلت أن تبقى معلمة معطاء ورفضت جميع المناصب.

لكن سارة ما علمت أنها ستصبح مطلقة بعد خمسة عشر عاما من زواجها، وما علمت أنها ستصبح الأم والأب معا، وما علمت أن المعلم مجرد آلة في نظر المدير، وعليه أن يتجرد من حياته الأسرية.

مشكلة سارة أنها بعد طلاقها أصبحت الأم والأب والسائق والطبيب والمعلم والطباخ والاختصاصي الاجتماعي، وأولى مهامها أن تصطحب أولادها إلى مدارسهم صباحا، ثم تعود بهم الى المنزل في نهاية الدوام.

كثيرا ما تترجى سارة رئيسة قسمها بأن تعفيها من الحصة الأخيرة كي تتمكن من الوصول إلى مدارس أولادها الأربعة الذين كانوا في مراحل الابتدائي والمتوسط والثانوي، لكن رئيسة القسم ترفض طلبها مرارا ومرارا، بل وتتعنت في وضع الجدول وتلزمها بالحصص الأخيرة بلا رحمة.

تخرج سارة من مدرستها بعد الحصة الأخيرة والشارع مكتظ بسيارات أولياء الأمور، الطريق مسدود لا يتحرك، وتبقى سارة في هذا الموقع نصف ساعة ثم تنتقل إلى الشارع العام وزحام آخر، تصل إلى مدارس أبنائها وتجد التذمر من المعلمين المناوبين الذين يعاتبونها على تأخرها في الوصول، وأن أولادها آخر الطلبة عند باب المدرسة، وحبذا لو تأتي مبكرا لتسلمهم، فهذا التأخير اليومي يسبب عائقا كبيرا لهم.

سارة تلجأ إلى مديرة المدرسة علّها تجد حلا، لكن المديرة لا تود التدخل في عمل رئيسة القسم.

هنا تساءلت سارة: أين الرحمة ياناس؟ هل باتت المدرسة سجنا للمعلمات؟ هل باتت القرارات التعسفية شيئا عاديا يمر مرور الكرام من دون حساب من كبار المسؤولين؟ وأيقنت سارة أن الله أرحم الراحمين وقد فوضت أمرها لله ودعت ربها النجاة النجاة.

د. نورة المليفي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات