أخذني والدي إلى لبنان لأول مرة عام 1956، وتبعت ذلك زيارات أخرى مع الأهل، وجاءت المصاهرة تالياً، بحيث لم تتوقف زياراتي للبنان بعدها. خلال كل هذه الفترة، التي تجاوزت الستين عاماً، كنت غالباً ما أتجول بها وأنا أقود السيارة، ومع هذا قليلاً ما طلب أحد مني الاطلاع على هويتي، وهذا أمر يصعب تصديقه في بلد وقعت فيه مئات الاغتيالات السياسية، وانتشرت فيه آلاف حواجز الطرق، ومورست على أرضه هواية القتل على الهوية بأبشع صورها، ووقعت فيه حربان أهليتان أكلتا اليابس، ومعه الكثير من أخضره، وكل ذلك في أقل من نصف قرن.

طوال تلك الفترة كانت هناك محاولة استقطاب دينية صامتة وعنيفة تجري تحت السطح، بحيث أصبحت المناطق، إما مسيحية خالصة، أو مسلمة خالصة، مع بعض الاستثناءات. ظل الجانب المسيحي الأكثر تسامحاً وجذباً للسائح الأجنبي أو المحلي. فمرابع ومطاعم ومسارح وفنادق وسواحل ومولات، وحتى قرى ومدن ومنتجعات وإبداعات الجانب المسيحي، كانت دائماً الأفضل.

تجولت في لبنان طولاً وعرضاً، ويمكنني الادعاء، ولأسباب كثيرة، أنني أعرفه أكثر من %99 من مواطنيه.

طوال تواجدي وتجولي لم ألاحظ إلا قليلاً من التغير، مع الوقت، في المظاهر الدينية المسيحية، خاصة تماثيل الرموز الدينية. فقد كانت هناك دائماً كنيسة السيدة، وتمثال يسوع، وتمثال سيدة مغدوشة وغيرها من المعالم.

وفجأة، ومع الشحن الطائفي الإسلامي، الذي بدأ قبل ثلاثة عقود، والتناقص في أعداد مسيحي لبنان، وتعرض وجودهم وسلامتهم للخطر، وعمليات القتل الجماعية التي تعرض إليها مسيحيو الشرق بشكل عام على أيدي متشددي الحركات الإسلامية، لم يجد هؤلاء أمامهم غير مواجهة العنف بالعنف، والدفاع عن وجودهم، وأحياناً الانكفاء لجبالهم وكنائسهم وأديرتهم أمام الهجمة غير الحضارية التي تعرضوا لها، وهذا ما حدث غالباً وعلى مدى أكثر من ألفي عام، فإدارة الخد الآخر ليست دائماً بالسياسة الحكيمة، التي يفهم الآخر لغتها ويقدر معانيها، وهكذا رأينا في السنوات القليلة جداً الماضية ردة فعل قوية وزيادة كبيرة في مظاهر التطرف الديني المسيحي، حيث ازدادت أعداد من يعلّقون الصلبان حول أعناقهم، أو يرسمون وشم الصليب على صدورهم وأيديهم، أو يرسمونه على مركباتهم. كما تراجعت التسميات العربية، وأصبحت الأسماء المسيحية الغربية هي السائدة للمواليد الجدد. كما بدأنا نرى عشرات التماثيل ومظاهر الوجود المسيحي تظهر هنا وهناك، مؤكدة حقهم في الدفاع عن عقيدتهم ووجودهم، وهو أمر بالرغم من شرعيته، فإنه مظهر جديد لم تتعود عليه العين طوال عقود، خصوصاً ممن يعرف تضاريس لبنان الجغرافية والدينية والسياسية.

ردة الفعل التلقائية والخطيرة التي حدثت في لبنان، حدث ما يماثلها في الشيشان، وفي البوسنة وكوسوفو، وفي الهند ومصر وتايلند والصين، وغيرها. فسطوع نجم حزب جناتا القومي الهندوسي المتطرف مثلاً لم يأت من فراع، بل جاء على خلفية تشدّد التنظيمات الإسلامية التي أتاحت للسياسي الهندي استغلاله لمصلحته، وهو ما سبق أن كتبنا عنه. كما أن ما يعانيه مسلمو كشمير اليوم من بطش على يد القوات الهندية ما هو إلا رد فعل للأعمال الإرهابية التي انطلقت من تلك المنطقة، ومن كشمير الأخرى ضد الهند، أرواحاً ومدناً ومصالح.

كما أن وصول زعماء قوميين يمينيين متطرفين لحكم دول كبيرة وذات نفوذ عالمي يعود في جزء منه إلى تطرف بعض المتشددين الإسلاميين في دولهم ودول العالم الأخرى.

إننا، شئنا أم أبينا، جزء من هذا العالم، وعلينا أن نتعلم حسن التعايش معه، وألا نتوقع أنه سيتركنا نفعل ما نشاء بمواطنيه ويقف مكتوف الأيدي، فقط لأن عندنا «بيزتين، أو قرشين» نصرفهما كرواتب عليهم. فردود أفعال دول العالم تجاهنا وتجاه قضايانا تتبلور وتتشكل طبقاً لمواقفنا ومواقف سياسينا ومشرعينا منهم ومن قضاياهم.

وبالتالي، على مشرعي الكويت أن يفهموا جيداً، ومنهم النائب محمد هايف، أن ما يحدث من تعسف وسوء معاملة تجاه مسلمي العالم ما هو إلا نتيجة لتعسفنا تجاه أصحاب الديانات الأخرى الذين يعيشون بيننا. وإن كان وضع المسلم في دول العالم غير الإسلامي يهمهم بالفعل، فعليهم احترام حقوق الغير، وتسهيل معيشتهم بيننا، وتركهم يمارسون ديانتهم كما يرغبون، ضمن القانون.

أحمد الصراف

habibi.enta1@gmail.com

www.kalamanas.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات