عاد الجميع إلى منازلهم، وعادت مواكب السيارات تحمل الطلبة إلى معاهد التعليم، وعاد أصحاب القرار والنافذون من إجازات صيفية طويلة، حاملين الأمل بانخفاض الحرارة في الجو، وفي السياسة، وفي حجم المخاطر، مدفوعين بطموح معيشة هادئة لا تهدد أوطانهم عواصف الخلافات، ولا تربك مستقبلهم المناورات التي تمارسها القيادات، وكل ما يريدونه حياة عادية بمشاكل عادية، اعتاد عليها العالم، لأنها قضايا معيشية يومية.

تركنا المنطقة في بداية الصيف، وسط أزمة ناقلات النفط، التي أفرزها الصدام الأميركي ــ الإيراني حول الاتفاق النووي، وحول سلوك إيران الإقليمي، وترسانتها من الصواريخ وتقلبات دبلوماسيتها الإقليمية وأشواقها للتوسع وسعيها للنفوذ، وتمددها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

ليس من السهل حكم إيران، فتاريخها لا يعرف الهدوء، منذ اندفاعها وصدامها مع الفراعنة وقدماء اليونان والرومان في أرض الشام، ودخولها أراضي الهند، وحتى بعد الإسلام ظلت إيران في حالة ديناميكية تتحرك نحو أراضي الجوار، وكانت معاركها مع الدولة العثمانية مدفوعة للتوسع، ولم تتوقف حتى سقوط الدولة العثمانية مع الحرب العالمية الأولى، ومن ثمار تلك المعارك احتلالها للبصرة في 1775، في عهد نادر شاه، حيث جاءت إلى الكويت أعداد هاربة من الطغيان الفارسي، مؤهلة بخبرة في مجالات صياغة الذهب والحدادة وفنون البحر وصناعة السفن، وشكلت تلك الأعداد القاعدة التي انطلقت منها الكويت في تاريخها البحري المميز.

ومع عودتنا من إجازات طويلة، لم يلمس العائدون أي شيء جديد في حل هذه المعلقات المهددة لمنابع النفط، فلم تتوقف البيانات الصحافية، واستمرت تصريحات المسؤولين في إيران، في لغتها المهددة للجوار وللولايات المتحدة، وفي تأكيد دبلوماسية الهدم الجماعي.

لن تستقر أوضاع الخليج عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة، فلا تجد إيران في المقترحات المطروحة للحل ما يغريها للالتزام بالأمن الجماعي، فلا بد من طرح خيارات تختلف عما نردده من صيغ، ولأن إيران دولة واسعة جغرافياً وبكثافة سكانية تتزايد، وبنظام شديد الحساسية تجاه استمراره وأمنه، فلا بد من الاستفادة من مشروع مدينة الحرير ومن ممراته عبر آراضي آسيا، وتحويل هذا الصرح الكبير إلى فاعل مؤثر في استقرار المنطقة، عن طريق الشراكة الجماعية في عوائده، فالمدينة المقترحة قاعدة تلتقي عليها المصالح الخليجية ــ الإيرانية، وتتخرج منها شراكة عراقية ـــ كويتية مرتبطة بصيغة إقليمية توافقية تفرضها العوائد التجارية والاقتصادية، ويصدر منها البناء السياسي ــ الإقليمي الذي تجمع عليه الدول المطلة على مياه الخليج، وترتبط جميعها بشبكة التفاهم السياسي، والعائد الاقتصادي، ولعل من هذا الكيان تتولد القناعة باحترام الالتزامات والحفاظ على سلامة الممرات مع عدم التدخل في شن حملات إعلامية أو طموحات جغرافية في أراضي الآخرين.

نجح الرئيس الأميركي كارتر في انتخابات 1976، ومن أهم إنجازاته الاتفاق الموقّع مع حكومة بنما حول قناة بنما، فمن حضن القناة جاءت جمهورية بنما، ومن الاتفاق الذي تم توقيعه بنقل إدارة القناة إلى حكومة بنما، اختفى التوتر من تلك المنطقة، والتزم الجميع بأمن القناة، وانتفع الجميع من العائد السياسي والاقتصادي، واحترم العالم ذلك الاتفاق الذي وقّعه الرئيس كارتر واختفى التوتر الدائم.

بهذا التوجه، يمكن لنا أن ندخل في اتفاق اقتصادي وتجاري إقليمي يضم الدول المطلة خليجياً، يرسخ هدوء المنطقة، ويضفي عليها الاطمئنان باستقرار دائم، ويريح الأسرة العالمية من تقلبات منطقة الخليج واضطرابها، ويمكن دول الخليج من حماية المكانة الاستراتيجية الفريدة التي يشغلها الخليج في منظومة الأمن العالمي.

فالتحدي الذي يواجهنا في الكويت هو حجم الإرادة السياسية لبناء مدينة الحرير، واعتبارها منصة الاستقرار الدائم من خلال شبكة التواصل التي تفرضها المصالح الاقتصادية، وما تجلبه من تأكيد الثقة بين الأطراف المستفيدة.

مشروع مدينة الحرير يشكّل الصيغة التي قد يصدر عنها التوافق الجماعي لأمن الخليج، وللوصول إلى هذه القناعة لا بد أن نأخذ في حساباتنا أن السياسة عجزت عن الوصول إلى ما يرضي الأطراف، وأن البعد الاقتصادي قد يشكّل البديل الذي يوفر للجميع المكاسب المتنوعة سياسياً وتجارياً، ورابطة جغرافية تؤدي إلى المزيد من التداخل السكاني الخليجي.

ندرك المتاعب والعراقيل، ونقدر ارتفاع الكلفة المالية والاجتماعية، ونعي الاعتراضات التي ستوضع من أجل إرباك المشروع، لكنه، بلا شك، يحظى بميزة نادرة، وهي قدرته على إرضاء مخاوف جميع الأطراف التي لم تتوقف في مساعيها للوصول إلى مشروع أمني جماعي، فكان تباعد المصالح وتعارض الاستراتيجيات وتواجد طموحات الهيمنة والرغبة بالتسيد الإقليمي، كل هذه العناصر أفشلت المساعي وتركت الخليج، رغم حساسيته الأمنية العالمية، للمنافسة بين الدول المطلة.

كانت إيران في عهد الشاه تدعو إلى التفاهم الأمني بين الدول المطلة، وكان البعث العراقي يكره هذا الطرح، ويريد التسيّد في صيغة تبعد إيران وتديرها بغداد، وكان الفشل والخيبة هما الحصيلة.

شاهدت الوزير العراقي البعثي سعدون حمادي يهدد ويتوعد ليخيف دول الخليج من الوقوع في شبكة إيران، ولم تكن إيران بريئة من الرغبة في الهيمنة، فكان الطرفان الإيراني والعراقي في سباق احتكار المقعد المميز.

لا شك عندي في أن الدول الآسيوية سترحب بالبعد السياسي للمشروع، وستساهم بدورها في تحقيق دبلوماسية التراضي، والمهم أن نقتنع نحن قبل غيرنا بخاصية المشروع أمنياً وسياسياً وتجارياً واقتصادياً.

السلام عبر مشروع الحرير Silk Diplomacy، هذا هو الصوت الذي ينطلق نحو الكويت، ليسمعه الشيخ ناصر صباح الأحمد، النائب الأول وزير الدفاع والمشرف العام على المشروع، فيأخذه كأولوية لحل عقدة الأمن الخليجي.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات