آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

52007

إصابة مؤكدة

379

وفيات

42108

شفاء تام

عبدالحسين عبدالرضا.. «صانع البهجة»
مهاب نصر|

«لم يكن عبدالحسين عبدالرضا كوميديان أضحك جمهوره، بقدر ما كان حالة فنية خاصة جداً، فقد أحدث نقلة نوعية، وكان محطة بارزة من محطات الفن الخليجي». هكذا يكتب خالد عبدالرحيم السيد المشرف العام على إصدار كتاب «صانع البهجة.. بحوث ودراسات في مسيرة الفنان عبدالحسين عبدالرضا» في تصديره للكتاب.

هذا المؤلف أكثر من مجرد تكريم أو تأبين لفنان كبير، تجاوز بأدائه حدود شاشة العرض ليكون حاضراً كعلامة على زمن وتاريخ، ونموذجاً لكوميديان يجعل من الضحك فرصة لمراجعة تناقضات المجتمع ومشكلاته. الكتاب الذي قامت بتحريره وتقديمه الزميلة الشاعرة سعدية مفرح شارك فيه عدد من الباحثين والكتّاب والإعلاميين هم: د. خالد عبدالطيف، د. حمد الهباد، د. فيصل القحطاني، د. نبيل الفيلكاوي، د. علي العنزي، الزميل أحمد ناصر، د. سليمان آرتي، الزميل عبدالمحسن الشمري، والإعلامي صالح غريب. وصدر عن منشورات «كتارا».

الفنان الفنان
في مقدمتها للكتاب تستخدم الزميلة مفرح أسلوب التوكيد والتكرار في فواتح الفقرات «الفنان.. الفنان» في وصف عبدالحسين عبدالرضا. غير أن العبارة أكثر من توكيد، إنها تصفية وانتقاء لمعنى خاص لكلمة «فنان»، فكأنما تقول: ليس كل «فنان» مستحقاً للصفة تلك، بينما استحقها عن جدارة الراحل عبدالرضا، تقول مفرح في وصفها له مؤكدة هذا الاستحقاق «الممثل الذي لم يكن يمثل علينا ولا يمثل لنا، بل كان يمثلنا في كل دور تلبّس به واشتبك معه. كان يتحدث بلسان «بني صامت»، معبراً عن الضمير الجمعي لمن لا صوت له في واقع الصوت العالي والضمير الأخرس، منحازاً لـ«عتاوية الفريج» في لعبة الديموقراطية الوليدة، المتفرجين على «هامان وفرعون» في حروبهما المترفة، بتعالي الذين يعتقدون أنهم فوق كل شيء، لأنهم لا يملكون شيئاً!».

تطور المسرح
ولا يعزل الأكاديمي والناقد المسرحي د. خالد عبدالطيف رمضان إنجاز عبدالحسين عبدالرضا عن تطور المسرح الكويتي بعامة، وعن حياته الخاصة أيضاً، منوهاً بالنصوص التي كتبها وتلك التي أعدها، محاولاً أن يوائم بينها وحاجات المجتمع الكويتي وثقافته الخاصة، يقول رمضان «لقد حرص عبدالحسين في مسرحياته المؤلفة على تناول قضايا الإنسان الكويتي في حياته اليومية، وخص الطبقة الكادحة باهتمامه، وحتى معالجاته في المسرحيات التي أعدها عن نصوص مسرحية عربية أو أفلام مصرية، حرص على مسّ قضايا الإنسان الكويتي والأسرة الكويتية».
من جهته، يتناول د. فيصل القحطاني رحلة الفنان عبدالحسين عبدالرضا مع النص الإبداعي وإشكالات الندرة ومحاولة التواؤم مع المجال المحلي مع الالتزام بالقضايا الإنسانية، ويخلص القحطاني إلى القول «إن حجم الفراغ الذي تركه الكاتب والفنان عبدالحسين عبدالرضا في جسد الفن الخليجي لن يقاس بشكل دقيق في هذه الأيام، وإن كنا نرى بوادر له، ولكننا سنشعر بذلك الفراغ في المستقبل، حيث نلاحظ اليوم صعود سهم الاستهلاكية المقيتة في الأوساط الفنية والثقافية الخليجية والعربية».
أداء شفاف
إن ميزة الكتاب، والتي يعود إلى عبدالرضا قسم منها، أنه وجد في شخصيته وفنه فرصة لمراجعة قضية المسرح العربي ذاته وملابسات تطوره والأزمات التي واجهها، وهي أزمات تطول المجتمع نفسه وأسسه البنيوية، لذا يكتب د. علي العزي الأستاذ المساعد في قسم النقد والأدب المسرحي «بشكل لا يصدق، تميزت الشخصيات التي أداها عبدالحسين عبد الرضا بالشفافية، وذلك مهما كانت مناصبها ونوازعها، واختلف زمانها ومكانها، واشتملت على ألوان التعبير الجسدي والإيحائي، ولم يأبه مسرح عبدالحسين بمحاولات المسرح التأصيلي، لاستكناه الأنظمة العالمية الجديدة والقديمة على حد سواء، بقدر اهتمامه بالضعف البنيوي للمجتمعات الخليجية والعربية».

خارج قواعد اللعبة
تضمن الكتاب دراسات أخرى تناولت الصفات الخاصة بالأداء المسرحي لعبدالحسين عبدالرضا، والتي تتعلق بموهبته وتطويعه لقدراته التعبيرية، وإمكاناته الجسدية التي أحسن استخدامها في توصيل محتوى الشخصيات التي يؤديها، وبحسب د. سليمان آرتي، أستاذ مساعد، قسم النقد والأدب المسرحي فإنه «يمكن القول إن عبدالحسين ينتهج أسلوبا خاصا به تحكمه قواعد اللعبة المسرحية أو ما يسمى تجاوزا -الأسلوبية أو Stylization–» وهو أسلوب يعطي الممثل النجم خصوصية مطلقة في التعامل مع الشخصية المسرحية، الأمر الذي ينعكس على مجمل قواعد وعناصر العرض المصاحبة له.. فهو بما يمتلكه من إمكانات فيزيائية جسدية هائلة قادر على التواصل والوضوح والتواصل مع الجمهور، فحركاته تتفق مع طبيعة الشخصية المسرحية ومكملة للمساحة الحوارية له في النص».
في نقلة مغايرة يتناول د. حمد الهباد الذي عمل استاذا بقسم الآلات في المعهد العالي للفنون الموسيقية جانبا آخر من جوانب الإبداع في أعمال عبدالرضا وهو المتمثل في الأعمال الدرامية الغنائية، مضمنا دراسته الأغنيات التي أداها ونوتاتها الموسيقية، مؤكدا على إثراء عبدالرضا للمكتبة الموسيقية للإذاعة والتلفزيون.

الفنان والصحافة
وباعتباره فنانا حريصا على الإجادة، فقد كان الراحل بحسب الزميل الإعلامي أحمد ناصر، دائبا على متابعة الصحافة وما يكتب عنه، متواصلا مع الصحافيين والنقاد «ففي سنوات عمله كلها.. كان الراحل عبدالحسين عبدالرضا يتابع كل ما يكتب عنه في الصحف، على الرغم من كثرته وتعدده وانتشاره في الصحافة المحلية، ويتواصل مع الصحافيين حول كل ما يكتبون عنه منذ بداية علاقته مع الصحافة منذ بداية علاقته مع الصحافة وإلى آخر عمره، رحمه الله، هذا التفاعل جعل العلاقة بينهما قوية ومتينة».
تضمن الكتاب أيضا، استكمالا للجهود حول إعداد صورة متكاملة لحياة الفنان الراحل، مسردا تفصيليا مهما بأعماله الدرامية والمسرحية وأوبريتاته والأغاني التي أداها والنصوص التي كتبها أو شارك في كتابتها وإعدادها، إضافة إلى المناصب التي تقلدها والجوائز التي حازها، أعدها الزميلان الإعلاميان عبدالمحسن الشمري وصالح الغريب.
ولاشك أن دأب المواهب الكبيرة هي أنها تشبه الحجر الملقى في الماء، الذي سرعان ما يثير حوله دوائر تتسع من التأثير والتفاعل، متجاوزة الحضور الفني إلى التأثير الثقافي والاجتماعي والسياسي، فحدود الفن لا تنتهي عند بوابة المسرح أو شاشة العرض، إنها تمتد إلى القوب والأرواح، وتسكن تاريخ الأمم والشعوب كعلامات فارقة في حياتها.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking