الهجرة بداية لتأسيس الدولة الاسلامية

الهجرة بداية لتأسيس الدولة الاسلامية

إشراف موسى الأسود -

للتواصل: q8aswad@hotmail.com

كلّما أطلّ شهر الله المُحَرَّم وبدأ العام الهجري الجديد عادت الذِّكرى بالمسلمين إلى تلك الحقبة من تاريخ الدعوة التي شهدت الانتقال من حالة إلى حالة أخرى، فقد كانت الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة المنورة حدثاً تاريخياً عظيماً، غير مجرى التاريخ ومعالم الحياة، وحملت في طياتها معاني التضحية والصَّبر والنصر، والتوكل والإخاء.

لقد كانت الهجرة انطلاقة لبناء الدولة، وتأسيس المجتمع الجديد. وروعة الهجرة أنها عقيدة وتضحية وفداء وكفاح، وصراع بين الحق والباطل، وهي سنة إلهية «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ»، وللهجرة عند المسلمين معانٍ عميقة في الوجدان والعقيدة، فلقد كانت منطلقاً جديداً للإسلام والمسلمين ونقلة نوعية وحضارية في التاريخ الإسلامي والعربي، فعقب الهجرة توالت الانتصارات الإسلامية وأعز الله المؤمنين وأذل المشركين، وأشرقت شمس الحضارة الإسلامية فغمرت بنورها الأرض وسطع ضياؤها على البشر أجمعينِ، ولأهمية الهجرة النبوية المباركة في التاريخ الإسلامي اتخذها المسلمون بداية لتاريخهم، ويعتبرون الهجرة النبوية البداية الحقيقية لبناء الصرح الإسلامي العظيم، الذي لايزال شامخاً رغم مرور خمسة عشر قرناً على بزوغه وسيظل بمشيئة الله تعالى إلى أن يرث الله الارض ومن عليها.

انتصار لا فرار

وفي ظل الهجرة انتقل المسلمون من حالة الأقلية والاستضعاف، إلى حياة العزة وبناء الدولة، وانتقل العرب من حياة الحروب والثأر والمكر، إلى مجتمع التآخي والتحابب، ومن حياة عبادة الأحجار والأوثان، إلى عبادة الله الواحد الديان «كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» المجادلة: 21، وقال الله تعالى: «إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ». لقد تعرض المسلمون في مكة لكلِّ أصناف البلاء والاضطهاد، ولم يَسْلَم من أذى المشركين رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم نفسه، فصبر هو وأصحابه، وتحمَّل الأذى، وتَسَامَتْ هِمَمُهُم فوق كلِّ بلاءٍ في سبيل الله ونصرة دينه والثَّبات على الإيمان، حتى ضاق المشركون بهم ذَرْعًا، وراحوا يبطشون بأصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ويخطِّطون لقتل النبيِّ نفسه: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ» فأذن النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام لأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنوَّرة حيث دار الهجرة.

من الدار إلى الغار

انطلق المشركون في آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، يرصدون الطرق، ويفتشون في جبال مكة، حتى وصلوا غار ثور، وأنصت الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلى أقدام المشركين وكلامهم. يقول أبو بكر رضي الله عنه: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا!، فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما. وبعد أن مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غار ثور، ثلاث ليال، ارتحلا، حين انقطع عنهم الطلب، ومعهما عامر بن فهيرة يخدمهما، واستأجرا عبد الله بن أريقط، يدلهما على الطريق، واتجها الى المدينة، تحفهما عناية الله ورعايته. وفي الطريق لَقِيَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فِي رَكْبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَانُوا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنَ الشام، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأبا بكر ثِيَابَ بَيَاضٍ. وَسَمِعَ المُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ. وفي النهاية وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سالمـًا؛ وذلك في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الرابعة عشرة من النبوَّة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة مهمَّة جدًّا في السيرة النبوية، وهي مرحلة بناء الدولة الإسلامية! واستغرقت احداث الهجرة خمسة عشر يوما بما فيها أيام الغار الثلاثة. وعندما لاحت للركب الخير مشارف المدينة كان أهلها يترقبون وصوله الميمون، وما ان طرق مسامعهم نبأ وصوله حتى زحفت المدينة لاستقباله والترحاب به فأحاطوا بالموكب مسلمين مرحبين واعتبروا هذا اليوم من أسعد أيامهم بل من أعز أعيادهم!

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع

حكم وأقوال

ـ أجمل نداء من رب السماء الى أهل الأرض: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبُك عَنَان السماء، ثم استغفرتني،غفرتُ لك ما كان منك ولا أُبالي.

ـ قال ابن حجر: يُستحب لمن وقع في معصية ونَدِمَ أن يبادر إلى التوبة منها ولا يخبر بها أحدًا ويستتر بستر الله.

ـ التدين المزيف، قد يكون أنكى على الأمم من الإلحاد الصارخ.

ـ يا ابن آدم لا تحمل همّ يومك الذي لم يأت عليك، على يومك الذي أنت فيه، فإن يك من أَجَلك يأت فيه رزقك، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك الا كنت فيه خازناً لغيرك.

ـ قالت أم العلاء: عادني رسول الله وانا مريضة فقال: ابشري يا أم العلاء فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تُذهب النار خبث الذهب والفضة.

- لا تأكلنَّ حرامًا مهما كانت الظروف؛ واعلم أنَّ أكل الحرام مما يمنع إجابة الدعاء – أطِبْ مَطعَمَك تُجَبْ دَعوتُك - ومَن خسر إجابة الدعوة فاتَهُ خيرٌ كثير؛ فلا يَرُدُّ القدرَ إلا الدعاءُ. وتذكَّر أن لمسيرتنا في هذه الحياة نهايةً، فادعُ الله دائمًا أن يرزقك حسن الخاتمة، وفكِّر في نفسك وأهلك، ووطنك وأمتك، ولْتعملْ لدنياك كأنك تعيش أبدًا، ولتعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، وتحمَّل مسؤوليتك في هذه الحياة، فأنت من رجال الغد، وبناة المستقبل، فكن خيرَ مَن يتحمل هذه الأمانة.

ــ قال ابن رجب: المؤمن إذا استبطأ الفرج بعد كثرة الدعاء وقال لنفسه: إنما أُتيتُ من قِبلكِ، إن هذا اللوم أحبّ إلى الله من كثير من الطاعات.

صوم يوم عاشوراء وتاسوعاء

شهر المحرم هو من الشهور الحرم التي عظمها الله تعالى وذكرها في كتابه فقال سبحانه وتعالى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ» (التوبة 36). وشرف الله تعالى هذا الشهر من بين سائر الشهور فسمي بشهر الله المحرم فأضافه إلى نفسه تشريفاً له، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم الله تعالى لهذه الأشهر الحرم ومن بينها شهر المحرم قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. متفق عليه. قال ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ما رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يتحرّى صيام يوم فضله على غيره إلاَّ هذا اليوم يومَ عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان» رواه البخاري. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله. رواه مسلم. وهو يوم عظيم. أنجى الله فيه موسى وقومه. عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة. فوجد اليهود صياما، يوم عاشوراء. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه. وغرق فرعون وقومه. فصامه موسى شكرا. فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمر بصيامه. ويستحب صوم يوم التاسع مع صوم العاشر قال صلى الله عليه وسلم: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع. رواه مسلم. وفي رواية انه حين صام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول اللَّه إنه يوم تعظّمه اليهود والنصارى؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام القابل - إن شاء اللَّه - صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لا يجوز شراء الذهب بالأقساط

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالفضة إلا إذا تم قبض الذهب والفضة في مجلس العقد، ولا يجوز تأجيل شيء من الثمن، ولا يجوز أيضاً تأخير استلام الذهب. فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ. رواه مسلم. فلا يجوز بيع الذهب بالنقود مع تأخير استلام الذهب، أو تأجيل بعض الثمن. سئلت لجنة الفتوى بوزارة الاوقاف عن شراء الذهب ودفع قيمته على دفعات، ونص السؤال هو: تاجر يريد ان يشتري من مصنع ذهب ذهبا مصوغا بالأوصاف التي يريدها، فهل يجوز ان يدفع المبلغ على فترات؟ ام لا بد من دفع كامل المبلغ؟ أم ماذا يفعل؟ وقد اجابت اللجنة بالتالي: لا يجوز بيع الذهب او الفضة او العملات النقدية بثمن مؤجل، اذا كان الثمن ذهبا او فضة او عملة نقدية، ولا بد في تلك الحال من التقابض في العوضين، والا كان التأجيل رباِ والله تعالى أعلمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وجاء في قرار «مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة العمل الإسلامي: بخصوص أحكام العملات الورقية: أنها نقود اعتبارية، فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامهما.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات