شمس، لا مشرقَ يُفْرِحُ، ولا مَغِيْبَ يُؤْنِسُ، فالذكرى تتداعى صورها ورسومها، تؤلم كل محبٍ، وتأسر كل لُبٍ، تؤرقه، تستأصل مكامن الفرح، وتستجلب مواطن التَّرح، وتدفع به حيناً إلى مرارات اليأس، ففي إشراقك يا شمس فجرٌ يستحضر كل عطاءات المحبة في أوانها، وقد طرب لها كل بلبلٍ صدَّاحٍ، وكل نغم ردَّاح، باكرة، حلوة، مثل قرصكِ الأبيض يتلألأ بشعاع طلوعكِ الوضَّاح، يُخالط اصفراركِ، ويحاكي قراركِ، يتزايل مِراراً، يشعُ نبضاً وَهَّاجاً يخالج حنايا الضلوع، كأنه جمال الرجوع، يهاتف في ضيائه كل خافقٍ ودافقٍ، هَمْسُهُ خيوطكِ التي نُسِجَتْ بأردية ذهبية.

نَثَرْتِ دفء المشاعر كوناً عمَّ الضياءُ به، وقد تبسَّمَ الزهر له طللاً داعبَ أوراقه، تَقَاطَرَ في مياسِمِهِ، خالط خيوطكِ بهاءً وسناء. إنه الحب في بُكُوْرِهِ، كعذراء، خفراء، بانت، تطل طرفاً من خمارها، وقد زادها الدَّلُ جمالاً وتغنجاً، فطفقتْ أهدابها تَرِفُ كجناحي فراشة يخفقن تترىٰ. دفء القلوب لا تسل عنه فرحة وسَعْدَاً، غمرت ربيع أعمار فَتِيْة هَزِجة.

تكامل قُرْصُكِ فعمَّ الضياءُ به أقاصٍ من بلادٍ ووهاد، توهَّج كالنار تحرقُ كل رطب ويبس، كقلب الصَّبِ ألهبه الاشتياق، فمزَّق في الأحشاء كل مُخَرَّق، كالسُّهادِ يُغَالبُ عين الصَّب، يُشَاغِلُ الفِكْرَ قلقاً وحسرة، ولا يدع لتباريح الشوق خفاءً وتلطفاً، بَذَلَ الدمع اشتياقاً ولوعة، وتعالت صيحاته نزفاً وصرفا.

وفي مغيبكِ يا شمس تاهت كل الفِكَر، وسار في مَغِيْبِهِ القمرُ، غابت شموس محبتنا حتى لامستْ شفق مغيبكِ، بالله لا تغيبي وتمهلي، قطَّعْتِ أوداجَ حبٍ قديم تداعى له نوحُ حمائمِ الدوحِ. ما بال السماء وقد توشحتْ حمرة خمارها، وتوسدتْ ليل أشواق العاشقين، حمرة تخالط سواد الليل لا ينفك منها، يسابقها، يغشاها في نهاية عتمة.

شمس، تصبحين على خير نتوقه ونأمله، نشتاق إليه في غير ما أشرَقْتِ به آنفاً، يجمع شتاتنا، يؤلف بيننا، يغير حياتنا فرحة انتظرناها طويلاً، وتعَّشَقُنَاها مُذْ طفولتنا حلماً. شمس استجمعي مواطن الدفء في حياتنا، واحتضنيها حناناً ورِقة، لعلَّها تُشرق من جديد، تُجددُ أحلاماً لم تتحقق، وأًوقاتاً لم تَسْعَدْ، ولم تر النور بعد.

الفرح قادم لا محالة يا شمس، طال المقام أو قصر، خفي الأمر أو سُتِرْ، وسحائبُ البؤسِ تبدو وقد انقشعتْ بفضل شعاع منك قد سطعَ، وبان من الأسرار ما اسْتتر، وأوشك الأمر أن يتضح. من رام فرقتنا فرَّق الله عليه شَمْلَهُ، وأتعسَ يومَهُ وأمسَهُ. بكِ يا شمس بانتْ كل الأسرار، وانجلى الليل، وأصبح النهار.

د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات