في شهر يونيو الماضي - 2019، جرى عقد اجتماع في دار السفارة الكويتية في لندن بحضور عدد من أعضاء لجنة الصداقة الكويتية - البريطانية، من كويتيين وبريطانيين، وكان بند خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من أهم البنود التي تناولها ذلك الاجتماع، لأن صوت بريطانيا داخل أوروبا كان الصوت الأقوى كخبير في شؤون الخليج الذي ساهم في الحفاظ على أمن الخليج خلال أكثر من قرن، ووضع قواعد التفاهم مع مختلف الحكام لصون الاستقرار وتنظيم العلاقات مع القوى المختلفة في مناطق الجوار، الأمر الذي ساعد بريطانيا للوقوف على طموحات الخليجيين وحساسيتهم تجاه الشرعية التاريخية والتزامهم بصيغة الحكم المتوارثة وغيرتهم على أمنهم وسيادتهم، ومن هذا الترابط التاريخي وتأكيد المصداقية في الوفاء بالالتزامات، وصون حقوق الشراكة، تمكنت بريطانيا من الحصول على ثقة المسؤولين في الخليج الذين تفرغوا للنهوض بمسؤولياتهم الداخلية، تاركين حلقة العلاقات الخارجية لبريطانيا التي قامت بها وفق التفاهم البريطاني - الخليجي.

ومن هذه العلاقة التاريخية بين الخليج وبريطانيا، صارت بريطانيا منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، بداية السبعينات من القرن الماضي، الصوت المؤثر الذي تصغى إليه الدول الأوروبية عند مداولاتها حول القضايا الخليجية، وتأكد ذلك الوجود البريطاني المؤثر خلال الأزمات التي مرت بها المنطقة منذ بداية استقلالها في القرن الماضي، كما كان الدور البريطاني قوياً في تبني الاتحاد الأوروبي سياسة صلبة ضد المخاطر التي تهدد أمن الخليج، رأينا ذلك خلال الحرب العراقية - الإيرانية، ووجدنا متانته في تحرير الكويت، وشعرنا بصدق ترحيبه مع قيام مجلس التعاون الذي نال دعماً ومساندة إيماناً من الاتحاد الأوروبي بدور المجلس في مستقبل المنطقة، فلا أنسى إصرار وزير خارجية ألمانيا كنشر على زيارتي في مبنى الأمانة العامة لمجلس التعاون في الرياض، مردداً لي بأنه حريص على إعلان الدعم الألماني للخطوات الخليجية، متمثلاً في زيارته للأمانة العامة. ولا أنسى وزير خارجية فرنسا السيد شيسون الذي أصر على أن أقوم بزيارة رسمية لفرنسا لشرح دبلوماسية المجلس مع دعوات للتحدث أمام برلمانات الدول الأعضاء للتعريف بأهداف المجلس، وقد لبيت هذه الدعوات وتواجدت في معظم العواصم.

كان الأوروبيون يرون في مجلس التعاون كياناً مهماً لترسيخ سلامة المنطقة وتأكيد استقرارها، وأنه قرار حكيم يجسّد إرادة خليجية جماعية غير مسبوقة.

في ذلك اللقاء في لندن، في يونيو الماضي، وبحضور عدد كبير من المختصين البريطانيين، كان الاطمئنان قوياً بأن الصوت البريطاني سيظل فاعلاً حتى مع خروج بريطانيا، لأن منصة حلف الناتو ومنصة الأمن الأوروبي الجماعي وقواعد الترابط التجاري البريطاني - الأوروبي، وكذلك العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين الخليج والاتحاد الأوروبي، كل هذه العناصر ستبقي ملف الخليج مهماً وحيوياً في استراتيجية الأمن الأوروبي.

ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، ستتحول الاستراتيجية البريطانية التجارية والاقتصادية نحو الولايات المتحدة وكندا، ونحو مجلس التعاون كحليف سياسي واقتصادي يلعب دوراً ايجابياً في سلامة الاقتصاد البريطاني، لا سيما أن الدور البريطاني في تأمين سلامة الخليج يأخذ الآن بعداً محورياً يتمثل في تعظيم الوجود البريطاني العسكري داخل منظومة مجلس التعاون، خصوصاً في الكويت ومع الإمارات بعد تهديدات إيران بالتعرض لحاملات النفط الخليجي، وسيتعاظم ترسيخ المكانة البريطانية في الأمن الخليجي مع اتساع الوجود التجاري البريطاني ممثلاً في شركات بريطانية تقوم بتنفيذ عقود كبيرة بالتزامات مالية ضخمة، وما يصاحبه من زيادة في أعداد البريطانيين داخل دول المجلس.

ومن الطبيعي أن نتابع المفاوضات البريطانية الأوروبية وتموجاتها ونحلل نتائجها علينا إيجابية كانت أم سلبية، لأن اتفاق الشراكة الاستراتيجية التي تجمعنا مع بريطانيا تفرض مسؤوليات على الطرفين، ولن نتأخر في الوفاء بالالتزامات التي تتطلبها هذه الشراكة، فالحكمة تدعو إلى صون عافية بريطانيا ودعم عملتها والإسهام في ميزان مدفوعاتها، كل ذلك لتفعيل قدرتها على تحمل أعباء المسؤوليات الأمنية التي تتطلبها هذه الشراكة..

ولا ننكر أننا سنستفيد من تحسن الأداء البريطاني، في كل القطاعات، وموازياً لذلك نعمل على توسيع قاعدة الدبلوماسية الشعبية التي هي من أهم عناصر الكويت في منظومة القوى الناعمة، ونفتح أبوابها الواسعة لتحقيق العائد منها..

وستزداد أعداد الطلبة وتتكاثف تبادلية الزيارات النيابية والإعلامية والثقافية، فمن المهم لنا إبقاء الدور البريطاني المحوري الفاعل، سواء خرجت بريطاينا أو بقيت في الاتحاد الأوروبي، مع فتح القنوات داخل بريطانيا للحوارات والمخاطبة مع حزب المحافظين ومع حزب العمال ومع التجمعات الأخرى بما فيها المراكز الفكرية والطلابية، خصوصاً أن التوقعات تشير إلى لجوء رئيس وزراء بريطانيا إلى الانتخابات مجدداً، ليعود بتفويض شعبي جديد يسهل مأموريته في التعامل مع إسقاطات الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولهذا فإن التواصل مع حزب المعارضة العمالي يجب أن يدخل في مرحلة نشطة، لا سيما أن سياسة الحزب البقاء في الاتحاد، فإن فاز فسيكون الصوت البريطاني الذي يفهم تعقيدات الخليج والعارف بحقائقه.

خروج بريطانيا من أوروبا يعيد إليها حرية السلوك في الدبلوماسية بلا قيود في المجالين الاقتصادي والاستثماري، ويحررها من القوانين الأوروبية التي تحكمت في توجهاتها، لكنه يحرمها من الإسهام في صياغة القرار الأوروبي السياسي الذي كان متاحاً لها، ولها فيه مركز الثقل.

تأثرت بريطانيا بالموجة العالمية في تحصين السيادة من التأثيرات الإقليمية وحماية القرار البريطاني من تسلل نفوذ التجمعات ومن سياسة فتح الأبواب وفق شروط حرية التنقل والعمل والتمتع بالامتيازات، فكان الرد الشعبي البريطاني على هذه الظاهرة وعلى شراكة الآخرين في القرار البريطاني سلبياً، وتمثل في إحياء الغيرة الشديدة على سلطة بريطانيا التي دوّنتها كتب التاريخ في الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وما يرافقها من عظمة المراسم وأبهة التاج وروعة الطقوس وأناقة التقاليد، فانفجر تيار الدعوة للعودة إلى وطنية القرار ووقف تدفقات المهاجرين الأوروبيين..

هذه حالة لا تختلف عن حالة الفزع الوطني الذي يتسيد أوروبا، وتمثل في سلطة الأحزاب اليمينية وفي دبلوماسية الرئيس الأميركي ترامب الذي يرفض تقييد قراراته، ولهذا خرج من عدة قرارات دولية.

وما يهمنا ألا تتأثر الرابطة الخليجية البريطانية بهذه الظاهرة التي أحدثت خللاً في منظومة التفاهم العالمي، لأننا لا نريد إضعاف الترابط الممتد منذ قرنين.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات