كما وعدنا في الأسبوع الماضي، نلقي اليوم الضوء على بعض جوانب من شخصية العالم الايطالي الشهير سيزار لومبروزو، مؤسس المدرسة الوضعية، الذي لا نغالي ان قلنا انه أشهر مؤسسي علمي الإجرام والعقاب.

ولد لومبروزو في عام ١٨٣٥، وعمل في بداية حياته طبيباً في الجيش الايطالي، وهناك بدأ أبحاثه بالتأمل في سلوك الجنود المنحرفين، عن طريق فحصهم ودراسة تكوينهم الجسماني للتعرف على الخصائص المشتركة بينهم، ومقارنتها بالخصائص المشتركة للجنود الاسوياء للوصول الى الفوارق بينهما، وقد كشفت له هذه المقارنة أن الجنود المنحرفين يتميزون بمميزات جسدية لا تتوافر في الجنود الاسوياء، فلاحظ ان معظمهم يرسمون على أجسادهم وشماً غريباً، وأحياناً منافٍ للآداب، فمن بين ١٠٠ سجين قام بفحصهمن تبين له ان ٨٩ منهم تحمل اجسادهم الأوشام، مما جعله يعتقد ان الوشم احد خصائص الانسان البدائي، وقد دفعه هذا الى التعمق في البحث، فقام بتشريح ٣٨٣ جمجمة لمجرمين متوفين، كما فحص حوالي ٦٠٠ حالة من حالات المجرمين الاحياء، وكان من ابرز من درس حالتهم لص وقاطع طريق خطير يدعى فيللا، فحص جسده اثناء حياته، ثم قام بتشريح جثته بعد وفاته، فوجد في قاع جمجمته تجويفاً مشابهاً لما هو موجود لدى بعض الحيوانات الدنيا كالقرود والطيور، كما توصل الى نتائج مشابهة عند دراسته لحالة مجرم خطير آخر يدعى فرسيني، اعترف بقتل عشرين امرأة بطريقة وحشية وشرب دمائهن، حيث تبين له اتصاف هذا المجرم أيضاً ببعض الخصائص الجسمانية والتشريحية الفريدة، فاستخلص من ذلك نظريته الشهيرة «الانسان المجرم»، التي تقوم على أن المجرم نمط من البشر يتميز بخصائص عضوية ومظاهر جسمانية شاذة تنتقل إليه بالوراثة، اطلق عليها وصف «علامات الارتداد»، يرتد بها المجرم إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث تتطابق الخصائص البيولوجية للانسان المجرم مع خصائص الانسان البدائي الاول، ومعنى هذا ان الإنسان المجرم ــ في نظر لومبروزو ــ ما هو إلا انسان بدائي يحتفظ عن طريق الوراثة بالصفات البيولوجية والخصائص الخلقية الخاصة بإنسان ما قبل التاريخ.

ولكن هذه النظرية تعرضت للنقد الشديد، لأنها لم تكن مبنية على أسس علمية واضحة أو إحصاءات موثقة، وانما كانت مجرد ملاحظات او مشاهدات تعتمد على الاستنتاج الذي قد يخطئ وقد يصيب، مما اضطر لومبروزو إلى العدول عن بعض آرائه بشأن الطبيعة الوراثية للاجرام، فعدل عن رأيه في العلامات الارتدادية، فلم يعد يرى أنها وحدها المسؤولة عن السلوك الاجرامي، وانما يرى أنها لابد أن تتفاعل مع شخصية المجرم حتى ينتج عنها السلوك الاجرامي، وانتهى من ذلك الى القول انه ليس شرطاً ان تكون العلامات الارتدادية موجودة لدى جميع المجرمين، كما أنه ليس شرطاً ان توجد لدى المجرمين وحدهم، فقد توجد لدى بعضهم ولا توجد لدى البعض الآخر، كما قد توجد لدى غير المجرمين، ولهذا لجأ الى تقسيم المجرمين الى خمس فئات هي: المجرم بالولادة، والمجرم المجنون، والمجرم بالعاطفة، والمجرم بالصدفة والمجرم بالعادة.

وبالنسبة للانسان المجرم بالولادة ــ وهو محور نظرية لومبروزو ــ فإنه يتميز عن الانسان العادي بخصائص ومظاهر جسمانية شاذة، اهمها صغر حجم الجمجمة وعدم انتظامها، وبروز عظام الوجنتين وضخامة أبعاد الفك والشذوذ في تركيب الأسنان، والشذوذ في حجم الاذنين، وكثرة غضون الوجه، وعدم انتظام وتشابه نصفي الوجه، وضخامة الشفتين وبروزهما، وغزارة شعر الرأس والجسم، والطول المفرط للذراعين، واستعمال اليد اليسرى، وضخامة الكفين.

ولا يقف لومبروزو عند حد الصفات الجسمانية وحدها، وانما يرى أن المجرم يتميز أيضاً بصفات نفسية خاصة به، منها القسوة البالغة، وعنف المزاج وحب الشر، وانعدام الاحساس بالألم، والميل الى الوشم، واللامبالاة، وعدم الشعور بتأنيب الضمير، وعدم الحياء.

وقد بالغ لومبروزو في الاعتماد على الصفات الجسمانية، التي تميز المجرمين، الى درجة أنه لجأ الى تصنيف ملامحهم العضوية وفقاً لنوع النشاط الإجرامي الذي يمارسه كل منهم، فالمجرم القاتل مثلاً يتميز بضيق الجبهة، وبالنظرة العابسة الباردة، وطول الفكين وبروز الوجنتين، بينما يتميز المجرم السارق بحركة غير عادية لعينيه، وصغر غير عادي لحجمهما مع انخفاض الحاجبين وكثافة شعرهما وضخامة الانف، وغالباً ما يلاحظ أنه «أشول»، أي يستخدم يده اليسرى بدلاً من اليد اليمنى!

وقد تعرضت النظرية الى العديد من الانتقادات، مما اضطر لومبروزو الى أن يقر بأن أسباب الجريمة، ليست مقصورة على الصفات البيولوجية والسمات الجسدية وحدها، وإنما تشمل أيضا تأثير المناخ والطقس والمنطقة الجغرافية والتلوث المحيط بها، كما اضطر الى أن يستثني بعض الجرائم من الخضوع لنظريته، منها جريمة «البغاء»، التي لم يجد أي دلالات جسمانية تميز من تمارسها عن سائر النساء، ولهذا يرى أن التفسير الوحيد لهذه الظاهرة هي أنها سلوك منحرف، كما استبعد أيضاً الجريمة السياسية وصنفها بأنها «جريمة عاطفية».

ورغم الانتقادات العديدة التي وجهت لنظرية لومبروزو فإنه سيبقى المؤسس والرائد الأول لعلم الانتروبولوجيا الجنائي، وهو مؤسس المدرسة الوضعية الإيطالية.. وللحديث بقية.

المستشار عادل بطرس

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات