«أكثر الشعوب المتحضرة تنتقد نفسها وأشياءها. أما الشعوب العربية فإنها لا ترى فرقاً بين النقد والخيانة» ‏- عبدالله القصيمي.

في العقود القليلة الماضية، تزايد شعور عام بشكل سريع إلى حد ما، بفكرة العقل التداولي، فكلما فهمنا عالمنا أكثر وأكثر، أدركنا أنه متميز جدا، وهذا يحمل أحد الفروق الأساسية بين العلم والدين.

هذا التدخل التنويري يتلخص في أربعة مباحث:

الأول: دور المجاميع النخبوية بالمشاركة والحث على أن المفكِّر بملء الكلمةِ يحترق إبداعاً ورمزاً على نطاق أعمّ ليُضيء لغيره، فلم يُولد ثقافياً من عاش لنفسه بأيّ حجمٍ كان، عندئذ لن يتحول إلى رمادٍ بل إلى نار ساريةٍ في مسارب غير متوقعة. يرتحل مع رياح الثقافة شارعاً عقله على الحدود القصوى للثقافات الناشئة والخابية منذ القِدم.

الثاني: الفكر الذي يصطدم بالحقيقة ولا يستطيع النجاة هو فكر لا يستحق الكثير من الندم.

ينبغي إعادة النظر في التطبيع الثقافي المتعاظم مع الأصولية ومشروعها السياسي. ولا فرق بين شقها المتشدد وشقها المدعي الاعتدال. والإمام الغزالي على سبيل الذّكر كان قد أغلق الباب أمام التأثر بغير الدين كمنهاج  بدعوى التّناقض بين الفلسفة والدّين، ولا ضير في ذلك اذا ما كان ذلك لحماية الدين والمعتقد من التأثر والابتعاد عن الخطاب المؤدلج وزرع ايديولوجيا تحمل في طياتها كل ما هو غير قابل للتنقيح والمناقشة باسم التنوير أو العولمة حاليا وما نراه الآن أنه لا يمكن مقاومة انحرافات العولمة المدمّرة إلا باستعمال أدواتها ووسائلها ولكن بشرط التسلح بمرجعية قيميّة تكون حقوق الإنسان، باعتبارها حقوقا طبيعية كونية لا باعتبارها حقوقا ذاتية وضعية، محورها الإنسان بمفهومة الاجتماعي وليس المواطن بالمفهوم السياسي، فالمعتقد لدينا في هذه البقعة الجغرافية، نصف مضيء يرضي ميولنا وأفكارنا.. هذا الارتباك هو نفسه الذي تعاني منه العديد من الدول: فهي لا تستطيع تطبيق الشريعة كاملة ولا تستطيع تركها كاملة. ولَم أستغرب عندما طالعتنا صحيفة لوموند الفرنسية لمهاجر عربي بزورق صغير في عرض البحر ذاهبا الى أوروبا يقول أعطي صوتي للدولة الدينية في الانتخابات. ولكنني أحب العيش في دولة علمانية.

فمن البديهي بالنسبة لي على الأقل أن أرفض إقامة نموذج الراديكالية الدينية في بلدي، التيار الذي سيتدخل حتما في حياتي الشخصية، فكيف سينظر الغرب لهذا المهاجر العربي الذي يشكل أقلية قابلة لأن تصبح أكثرية بعد نزوح ملايين العرب لبلدانهم بسبب حروب أو فقر أو الاضطرابات السياسية التي تريد فرض افكارها بالقوة في بلاد الغرب ونتاج ذلك ان حاولت القوى السياسية في أوروبا تسويق وتدويل نموذج الإرهابي المسلم على نطاق واسع تحسبا لأي إشكالات قد تقع في تركيبة النسيج الأوروبي أو الأميركي على السواء فحاولوا لجم هذا التيار قبل أن يعصف بهم أو يتأثروا به ولا يخفى على أحد أن الإرهاب، لم يعد شأنا للمسلمين وللعرب بل صار شأنا كونيا أو تحديا لعصر ما بعد الحداثة وللعولمة المتسارعة. بدلالة أن أقطارا أوروبية بدأت تُعيد تموضعها ـ من خلال التشريعات والتدابير الحكومية المُعلنة وغير المُعلنة عبر كل القارة.

الثالث: اللغة العربية في هذا المضمار.

‏الرابع: الرهان بتحكيم العقل، وإنَّ العقل حسب مفهوم المفكر - علي الوردي، ليس المقصود منه اكتشاف الحقيقة، أو التَّمييز بين الخير والشَّر، كما كان القدماء يظنُّون، بل المقصود منه اكتشاف كلّ ما ينفع الانسان في الحياة وما يضرُّ خصمه.

خالد خليل القطان

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات