يَعج عالمنا الإسلامي، والعربي خاصةً، بالصراع والقتل والدم! بينما يَعج عالمُهُم المُتقدّم بالتطور والأبحاث والاكتشافات العلمية التي تفيدهم بصفة خاصة، والإنسانية بصفة عامة.. ففي معرض جميل في إحدى الدول الأوروبية، عُرضت بعض تلك الاكتشافات، خصوصا ما يتعلق بالتطور الكبير في عالم «الروبوت» أو الإنسان الآلي.. وقفتُ مذهولة أمام تلك الزوجة «الآلية» الجميلة، وهي تقوم بجميع الأعمال وتحاور المتحدث بلباقة.. وقد تنامى إلى سمعي تعليق من أحد الحضور «على الأقل فكونا من الحَنَّة»؟! تبسَّمتُ وردَّدت في نفسي «الله يستر».

تابعت ذلك التطور في أحد التقارير الخاصة الذي بثَّته وكالة الـBBC في موقعها المختص بالعلوم عن الهوَّس الجديد بهذا التطور ومظاهره وأشخاصه.. وبدأت بالمقارنة بين شبابنا العربي وتطرّف بعضهم وولعهم بالدمار والقتل، وبين تطرف بعض شباب العالم المتقدم وولعه بالعوالم الافتراضية والعلاقة بين شخوص هذا العالم وبين البشر.. ومن أمثلة تلك المظاهر التي ذكرها التقرير قصة الشاب الياباني أوكيهكو كوندو الذي يستيقظ في الصباح الباكر على أغنية صباحية جميلة، وصوت عذب لزوجته «ميكو».. يمسك يدها الناعمة، ويشاهد صورتها عبر «الهولوغرام» وهي تتراقص بثوبها الجميل وشعرها المُلوّن، يستعد لتناول إفطاره، وهو يتحدث إليها ويودعها مغادراً إلى عمله.. الغريب في الأمر أن «ميكو» هي دمية ناعمة تجسّد إحدى شخصيات ألعاب «الروماجي»، وهي الألعاب المُغْرَم بها معظم شباب هذا العصر، حيث أصبحت هذه الألعاب عالما قائما بذاته تعرض على شاشات السينما والتلفزيونات وعبر أجهزة الحاسب الآلي والتلفونات الذكية.. وكثيراً ما نحذّر أطفالنا من خطورة بعضها، ولكنه عالم اليوم المولع بأفلامها وشخصياتها.

تعرفت على هذا العالم مجدداً باصطحاب أحفادي لأفلامه الباهرة.. ولكن لم يدر بخلدي أن نرى اليوم الذي تخرج فيه هذه الشخصيات لتقترن بالبشر! كما فعل الشاب الياباني كوندو الذي وجد في «ميكو» العروسة المثالية التي تُعْنىَ باحتياجاته النفسية، ويُسعده الحديث إليها وتتواصل معه بأسلوبها التكنولوجي الفريد.. أعلن كوندو عن زواجه الذي حضره المدعوون.. وارتدَت دميته «ميكو» ثوب الزفاف الأبيض الذي صممه لها أحد أشهر المصممين اليابانيين، ونشر العريس صور زفافه على مواقع التواصل الاجتماعي ليشجع الشباب الآخرين، ما دفع الشركة المصنّعة Gate Box إلى إصدار 3700 «وثيقة زواج» لعملائها! والطلب على هذه العلاقات «التكنولوجية البشرية الافتراضية» في ازدياد.. عالم غريب وتطرف مخيف وكلا التطرّفين مزعج، تطرّف شبابنا وشبابهم، والخيرة في الاعتدال.

دعوة من القلب

ما زلنا نتساءَل بحزن: لماذا كل يوم يُذْبَح أمامنا بلدٌ عربيٌّ وتُقطَّع أوصاله ويفنى بَشَره، ولا من مُنقذ؟ ولماذا تزداد الأمور سوءاً في اليمن مع إشراقة كل شمس، تتناثر أشلاؤه بين الجنوب والشمال.. يتجاذبها الشرعيون والحوثيون والانفصاليون، ويعيش شعبه المعاناة، وأطفاله المرض والإبادة؟! ومتى نرى لهذه الحرب العبثية نهاية؟ فلم يُعدْ اليمن يمناً ولا سعيداً.. ندعو له: اللهُمَّ احمِ اليمن من أصدقائه وهيّئ لشعبه من أمرهِ رشداً ومخرجاً.. والله الموفِّق.

د. موضي عبدالعزيز الحمود

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات