تخيل نفسك أن تصحو من نومك وقد نبتت لك قرون استشعار تعرف من خلالها الحوادث الحاضرة والمرتبطة بالمستقبل، وأن تستعرض شريطاً يمر أمام عينيك تتكشف لك من خلاله أمورك وأحوالك، وأمور الناس وأحوالهم، وأنت المرجع لهذا كله، تنقاد إليك قلوب الناس محبة وهتافاً لأن لديك القدرة الخارقة التي يفتقر الناس إليها، ويتوقون للاطلاع على مكنوناتها!

تخيل نفسك أن تطير فوق السحاب وترفرف بأجنحتك لتشعل نار الفتنة بين أقوام لم تألفهم، ولم يكن لك بهم سابق صلة، فأنت وهم تقاسمتم حديثاً عابراً، ثم طفقت بقرون استشعارك تحكي لهم ما خفي من تفاصيل حياتهم وما ظهر، وقد اطلعت على ما يسعدهم ويبكيهم، وما يقلق راحتهم وما يسليهم. كل ذلك لأنك تملك قرون استشعار عزَّ نظيرها لبقية بني البشر.

يظن البعض أنه بمجرد توقعه لشيء وحدوثه أنه يملك حساً وحدساً لكل واقعة يمكن أن تحدث، ويخيل إليه أن له قرون استشعار يقف على غيبيات ما لم يتح لغيره الاطلاع عليها أو التنبؤ بها. وتجده يورد حوادث وقعت له في غابر زمانه يُحَمِّلها أموراً لا تحتمل مشابهة ومطابقة.

قرون الاستشعار أضحت مهنة الدجالين من المتنبئين الذين نصبوا أنفسهم لتفسير الرؤى والأحلام، ولا تكاد تسمع من أحدهم كلمة «لا أعلم»، لأن في ذلك - كما يظنون - تنقيصاً لقدرهم وحطاً لشأنهم، والأدهى والأمرُّ أنه إذا انتهى أحدهم من تفسير الحلم وبيان كامل مدلولاته قال: «والله أعلم»!

إن هذا الدجل لا بد من إيقافه وفضح أساليبه التي لم تعد تنطلي إلا على السُذَّج من الناس الذين غالباً ما يتوهمون صحة مقالة أولئك المشعوذين، فيتصرفون في حياتهم وفق ما يملون عليهم من تخرصات وأوهام تصرفهم عن واقع الحقيقة أو تبعدهم عن السير في وضع حلول ناجعة لما يعانون منه من مشاكل في أمورهم الحياتية وأحوالهم الاعتيادية.

إن خطر هؤلاء أصبح حتمي الوقوع، فبعضهم يشكك في علاقة الأزواج ببعضهم، وعلاقتهم أيضاً مع الأقربين إليهم والأباعد عنهم، الأمر الذي ينجم عنه خلق العداوات والخلافات البينية التي تطال أسس تكوين الأسر وتهدد كيانها، وتزيد من تأجيج الخلافات الكامنة، وقد ظهرت بسبب ما ابتدعه أهل الشعوذة من كلام ألقي على عواهنه دون روية ولا تدبر لعواقبه، والأمثلة أكثر من أن تساق في هذا المجال.

يقيننا أن الغيب لا يعلمه إلا الخالق الرازق المطلع على أحوال البشر دقيقها وجليلها، وحتى الرسل والأنبياء عليهم السلام لا يملكون ذلك، لذا كان لزاماً على بقية البشر أن تنتهي عن خلق فرضيات وسوق توهمات هي بزعمهم فتوحات ربانية وتوفيقات في كشف المستور والتنبؤ بالمقدر والمقدور، وليعلم هؤلاء أن في التصدر لهذا الأمر منقصة لشأنهم وإثماً يصرون على إتيانه، لأن الكذب لا محالة واقع في ما يقولون وما يتوهمون، وأن الإضرار بالبشر وإيهامهم بما وقع وما سوف يقع يندرج تحت طائلة التضليل وسوء الطوية.

د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات