ذلك البلد العريق مولد الحضارات وحاضن الثقافات ومنبع المبادرات وموقع الفتوحات، صارت حياته في كف الشياطين، فلم تسعف الشطارة السورية المشهورة شعبها، ولم تنجح معارضتها في تجاوز الانقسامات وخصومة الغيرة، فلم تلتق بصوت واحد، وسمحت مسببات الانقسام أن توفر للغرباء التحكم في مستقبل هذا الشعب الذي انقطعت خيوط آماله في اسقاط نظام الاستبداد المعتمد على عنصرية الطائفية المتشبثة بالسلطة، والمرتجف خوفاً من حصيلة الحسابات التي تنتظره.

مأساة وطن جميل، سقط ضحية الخصومة السياسية العالمية، التي لا يهمها الدمار ولا عذاب الهجرة التي استوعبت ربما أكثر من ثلث شعب سوريا وشتتته إلى أماكن غير مرغوب وجوده فيها، وغير مأمول بقاؤه عليها، كل ذلك لأن روسيا تريد بقاء النظام الذي منحها كل شيء تريده، قواعدها البحرية العسكرية في البحر الأبيض، وموقعا متمكنا في صنع القرار، وفيتو تتمتع به موسكو أسقط ستة قرارات تعبر فيها الأسرة العالمية عن دعمها لشعب سوريا وتؤازره في كفاحه ضد احتكار القوة والسلطة وتعطيه الأمل في مستقبل قائم على الإرادة الشعبية في تقرير المصير.

أفشلت روسيا جميع المحاولات لاستخراج قرار يضع برنامج عمل يشرف عليه صوت الأمم المتحدة لضمان الاختيار الحر للشعب السوري..

فشل الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان، بعد طرح ورقة عمل لتشكيل إدارة مؤقتة للإشراف على تنفيذ القرار المقترح من مجلس الأمن، وجد عنان صعوبة في التعامل مع النظام السوري الذي كان يتحين الفرصة للقضاء على المقاومة بالقوة.

في أبريل 2011، اندلعت المعارضة لحكم الأسد في درعا، فوظف الأسد النار لمواجهتها، فأعلنت المحافظات الأخرى تأييد المعارضة التي اتسعت جغرافياً إلى حد دفع الأسرة العالمية للتحرك مع تصورات بأن الأسد في آخر رمق من حياته وأن نظامه آيل للسقوط، وهنا تحركت الجامعة العربية في عام 2012 بتجميد عضوية النظام مع توجه مجلس الأمن لوضع عقوبات على نظام الأسد، وتحركت الدول الدائمة العضوية في عام 2012، واختارت الأخضر الإبراهيمي بعد يأس كوفي عنان.

صغرت جغرافية نظام الأسد واهتزت قواعده الشعبية، لكن فزع روسيا من امكانية خسارة مكاسبها الاستراتيجية وشكوكها في نوايا الغرب كما رأتها في ليبيا وفي العراق دفعت موسكو إلى المساهمة في تسلل المتطوعين القادمين من حزب الله في لبنان ومن إيران عبر العراق، كما وجدت روسيا الفرصة تاريخية في تردد الرئيس الأميركي أوباما في التدخل وتفضيله الضغط السياسي، فكانت الدبلوماسية الأميركية تتجه لدعم المعارضة وتأمين وحدتها واقناعها باستحالة الحل العسكري، كانت خيارت الرئيس الأميركي ضيقة أمام تنوع الخيارات الروسية.

في عام 2011، أعلن أوباما ضرورة انتزاع السلطة من الأسد، الأمر الذي نشط آمال المعارضة بدعم أميركي انحصر في السياسة فقط، لأن الرئيس أوباما لطبيعته الحذرة ولكراهيته للحروب تردد في تأمين مساندة تساهم في تغيير توازن القوة، رغم اجماع مساعديه على المؤازرة، فإنه رفض وظل وحيدا متمسكا بالحل السلمي.

في أغسطس 2012، أعلن الرئيس أوباما أن الولايات المتحدة لن تسمح لقوات النظام باللجوء إلى الأسلحة الكيماوية فهي خط أحمر على الأسد عدم تجاوزه.

في 21 أغسطس 2013، تابعت المخابرات الأميركية حملة النظام في «غوطة» مستعملاً الأسلحة الكيماوية وضحيتها 400 مدني معظمهم من النساء والأطفال، ثم الاتصال الأميركي بوزير خارجية سوريا «المعلم» للتحذير، لكنه اتهم المعارضة الإسلامية المتطرفة باستخدام السلاح الكيماوي ونفى دور النظام..

في 30 أغسطس، تدارس الرئيس أوباما مع مستشاريه نوعية الرد على نظام الأسد، وفوض وزير الخارجية كيري John Kerry، بتأكيد الرد الأميركي باستعمال الصواريخ في ضرب المواقع العسكرية السورية، وتوقع الجميع أن الخطوة ستساهم في ابلاغ الأسد بأن الدور الأميركي ليس غائباً وأن الحل العسكري الذي يقدمه الروس لن ينجح.

وعندما انتهى ذلك الاجتماع السري، بدأ الرئيس أوباما التفكير في ردة فعل مجلس الشيوخ وانتابه الشعور بضرورة وقف قرار ارسال الصواريخ، فلم تتم الضربة المتوقعة، وأعلن الرئيس أوباما في اليوم التالي أنه سيلجأ إلى مجلس الشيوخ بطلب التفويض، ولم يكن المجلس في حالة تقبل لرد عسكري بعد مأساتي أفغانستان والعراق، ففشل الرئيس أوباما وفقد المصداقية بعد أن هيأ العالم لحملة انتقام.

ولم تعد المعارضة السورية تعتمد عليه، بل بدأت تفكر في مسار المفاوضات الذي تعطل بسبب اصرار روسيا على تأمين صوت قوي للنظام يبقي مكانته في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.

كما استغل بوتين زعيم روسيا المخاوف الأميركية من اللجوء إلى الكيماوي بمقترح شحن هذه الأسلحة من المستودع السوري إلى مستودع روسي كتأمين بعدم لجوء النظام إلى سلاح الدمار الشامل مرة أخرى.

وخرج النظام السوري منتصراً سياسياً في هذا الحل الذي يعني فقدان الولايات المتحدة أوراق الضغط، بعد استبعاد دورها عسكرياً.

في 2014، سقطت الموصل بعد استيلاء ميليشيات داعش المتطرفة عليها، فتوجهت الولايات المتحدة لتسليح المعارضة السورية، ولكن لمواجهة داعش فقط، وليس ضد الأسد مع تحديد 500 مليون دولار لدعم المعارضة وتدريبها.

كانت خطوة متواضعة ومتأخرة، لكن حدث تطور غير متوقع حيث تمكن ائتلاف مسلح إسلامي من احراز تقدم في معارضته ضد نظام الأسد.

فلم ينتظر بوتين زعيم روسيا كثيراً ولم يتردد في اللجوء إلى القوة الروسية العسكرية بالطيران والصواريخ، حيث نجح في تأمين سلامة النظام واسترجاع معظم المدن والمراكز الحساسة، فيما ركزت الولايات المتحدة جهودها لهزيمة داعش في العراق.

لم يبق للمعارضة وجود مؤثر سوى في إدلب التي تتأثر بالدبلوماسية التركية، التي تراعي مصالح روسيا في سوريا، وتريد مساعدتها لكبح توسع القوى الكردية المعارضة.

في أول أغسطس الجاري، التأمت الجولة الثالثة عشرة لمحادثات «استانة» حول سوريا، بحضور كل من إيران، روسيا، وتركيا والعراق ولبنان، والمعارضة الضعيفة، وتكرر الوفود مواقفها المعروفة، مع أمل ضعيف للمعارضة في مركز مؤثر..

ويبقى الشعب السوري ضحية صراع المكاسب في الاستراتيجية العالمية، ويتحمل الأسى ويتابع بالحسرة والدموع.. هذه رواية المأساة السورية..

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات