يتجلى حب الوطن الحقيقي في أوقات الشدائد والمحن، عندها يتجلى المعنى الحقيقي للعطاء والفداء من أجل الوطن.

وتوضح هذه القصة الواقعية («محسنون من بلدي» - الجزء الأول بيت الزكاة، مستشار التحرير د. عبد المحسن عبد الله الجارالله الخرافي) مثالاً ونموذجاً لبطلها التاجر يوسف عبد المحسن البدر، وكان أحد التجار الأثرياء والمعروفين بحب الخير، كما عرف عنه الجود والكرم، والفزعة لتفريج الكربات، ومواقفه الوطنية.

ومن المواقف الوطنية للتاجر يوسف البدر، رحمه الله، والتي اشتهر بها ما روي عن موقفه أيام الحرب القائمة بين روسيا ودولة الخلافة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، ففي سنة 1295 هـ تسلم الشيخ عبدالله بن صباح رسالة من رئيس وزراء تركيا يطلب فيها معونة من أمير الكويت مقدارها «ثلاثة آلاف ليرة عثمانية» لتجهيز الجيوش المقاتلة في سبيل الله، وبعث الأمير يستشير مجلس الشورى إذ لم يكن بخزينة البلاد هذا المبلغ ولا حتى أقل من نصفه، كما أن الأهالي في تلك السنة ابتلوا بنقص في الأموال نتيجة عواصف أغرقت كثيراً من سفنهم المحملة بالبضائع، ولكن يوسف إبراهيم وكان من الأثرياء البارزين، تعهد بجمع هذا المبلغ وبتكملته إن نقص، وافتتح قائمة الاكتتاب بألف ليرة ذهبية عثمانية، ثم أخذها متوجهاً إلى يوسف البدر، وجلس يحدثه حديث الرسالة، ولكن يوسف البدر لم يستحسن فكرة الاكتتاب، وقال لمحدثه: يا ابن إبراهيم إن أهل الكويت قد أضرتهم العواصف، والأولى بي وبك ألا نكلفهم بقليل هذا الأمر من دون كثيره، بل ننهض به وحدنا، وأنت يا أخي قد تبرعت بألف وجزاك الله خيراً، ثم أخذ الورقة وكتب فيها ألف ليرة وقال: وهذه ألف مني وقم إلى ابن صباح ليكمل الباقي (ألف ليرة)، وكان الأولى بنا أن نعطي هذه المساعدة للمنكوبين من أبناء بلدنا ولكنها وإن ذهبت إلى غيرهم فقد ذهبت في سبيل الله وثوابها ثابت، إن صدقت نيتنا مع الله.

فرح ابن صباح بما قاله ابن بدر وبما فعله بعد أن حدثه يوسف بن إبراهيم بما كان بينهما، وقال: لقد صدق والله ابن بدر، والأقربون أولى بالمعروف، ولكن لا حيلة لنا في هذا الأمر. وأكمل الأمير المبلغ المطلوب وبعث به إلى الدولة العثمانية في عاصمتها، وعلم الكويتيون بما قاله يوسف البدر وبما فعله وظلوا يشكرونه على جميله وفعله.

وهكذا كانت حياة التاجر يوسف عبد المحسن البدر حياة طيبة ممتلئة بالقيم والمثل الفاضلة تمثلت في بذله في سبيل الله وحبه لوطنه، وإحساسه وخوفه على أبناء وطنه، مبتغياً في ذلك الأجر والثواب من خالقه ومولاه، مضحياً بماله في سبيل الله، مدافعاً عن الفقراء والمحتاجين والمتضررين من مواطنيه.

د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي

ajalkharafy@gmail.com

www.ajalkharafy.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات