هذه الجُملة التي سمعها الفلسطينيون الذين تركوا الكويت، إما طوعاً أو قسراً، بعد غزوها من قبل العراق عام 1990، والتي تركت أثراً لا شفاء منه في نفوس الكثيرين ممن رفضوا الغزو: «إللي بدُّه يحكي كلمة على صدام... لا يدخل دارنا».

بعد مرور 29 عاماً، ما زال الكثيرون من فلسطينيي الكويت يعيشون في الأردن في كينونة قائمة بذاتها، رغم اندماجهم «الآلي» في النسيج المجتمعي. اخبرني صديق كويتي - سعودي بحسرة انه كلما ذهب الى عمان وجد نفسه يعيش اجواء «الكويت قبل الغزو»، حين كان تعداد المجتمع الفلسطيني قرابة 400 ألف من المدرسين والاطباء والمهندسين وغيرهم، ممن ساهموا في بناء الكويت، ممثلين قرابة %20 من تعدادها السكاني حينذاك.

مُصطلح آخر لا يقل شماتة هو «إس كي إس» بمعنى «سكان الكويت سابقاً». آه، لو يعلمون كم كان هذا «السابق» مشرقاً في الكويت، التي لطالما وقفت مع القضية الفلسطينية، وما زالت، على الرغم من الموقف المخزي لياسر عرفات ومنظمة التحرير في مساندتهم صدام حسين. يخبرنا الباحث الفلسطيني توفيق ابو بكر في صحيفة «البيان» الاماراتية ان دعم الكويت لفلسطين يعود الى ايام وعد بلفور (1917)، مروراً بهبة البراق (1929)، ثم الثورة الفلسطينية الكبرى (1936). بمعنى ان التضامن الكويتي بدأ بسنين قبل التاريخ الذي نعهده، اثر ولادة منظمة التحرير الفلسطينية (1964)، وانطلاقة فتح (1965). بل، يرجح اغلبية المؤرخين بزوغ بذرة «فتح» الاولى في الكويت اواخر عام 1957، حين كان ياسر عرفات يعمل مهندساً في وزارة الاشغال العامة.

عبر العقود الثلاثة الاخيرة، تناول الكثيرون من المحللين الجانب السياسي لأثر الغزو على كل ما هو فلسطيني: نفاد الدعم المادي للانتفاضة الاولى، مما اوصلنا الى مؤتمر مدريد «للسلام»، الذي هوى بنا الى اتفاقية أوسلو، والتي ما انفكت في تحييد المقاومة المضمونة لأي شعب تحت الاحتلال. لدرجة ان الكثيرين اصبحوا يتمنون المقاومة على الصورة التي كانت عليها قبل اوسلو: ضد كيان صريح في احتلاله، من دون سلطة «وطنية» شبهها ادوارد سعيد بحكومة «فيشي» الفرنسية الموالية لهتلر اثناء الحرب العالمية الثانية.

قد يحاول البعض منعنا من ان «نِحكِي كِلمِة»، إلا أنه قد آن الاوان للفلسطيني ان يعي مدى الدمار الذي لحق بفلسطين الارض والمقولة، وان يشعر بألم الكويتي الذي عانى من الغزو. السؤال الذي يطرح نفسه الآن كما فعل عام 1990: «كيف لإنسان يعاني من الاحتلال ان يقبل باحتلال دولة ثانية، لا سيما ان الاخيرة كانت حاضنة للثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها؟».

السؤال هذا لا يستدعي الاجابة، بل الاستغراب من طرحه في المقام الاول. فظاهرة «المركزية في القضية» بالنسبة لموقف الكثيرين من الفلسطينيين تجاه الطغاة في العراق وسوريا اصبحت حالة مرضية تستدعي المراجعة، ارضاء للحق والضمير قبل ان تكون للكويت والكويتيين.

ريم الكيلاني

@ReemKelani

miktab@reemkelani.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات