كان النظام الاقتصادي في الكويت شبه إقطاعي، وأغلبية المهن المتاحة شاقة بمردود لا يحقق الكفاف لكثرة الديون المتراكمة على العمال والحرفيين وعلى ورثتهم من بعدهم. وقد تتضح الصورة أكثر بقراءة بعض سطور «المجلد الثاني من مجلة البعثة، العدد التاسع، مقال بعنوان: «يوميات بحار»، 1948، جاسم القطامي (1929 - 2012)».

التراكم المعرفي للماضي هو مفتاح فهمنا للحاضر، ودراسة الأسباب العميقة للعادات الفاسدة والتشريعات غير المناسبة، دراسة اجتماعية تحليلية ومحاولة إيجاد البدائل والحلول المناسبة، أساس عملية الارتقاء والنهوض.

المشاكل التي كانت تواجه أغلبية الطبقات الكادحة من العاملين في الحرف المختلفة وصراع النفوذ والمصالح الذي بدأ يتسع منذ توقيع معاهدة 1899 مع البريطانيين إلى اكتشاف النفط، وما صاحب ذلك من تحولات سريعة، حيث بدأت النزعة الفردية تستحوذ على عقول الأغلبية، ومثال على ذلك ما حدث أيام التثمينات، وكيف باغت البعض ممن لديهم علم بعملية التثمين البسطاء واشتروا بيوتهم بثمن بخس ليغرفوا أكبر قدر من أموال التثمين، والقصص كثيرة عن أنواع التعدي والاستحواذ على الأراضي.

ظن المواطن المسكين أنه تخلص من المستغلين عندما وفرت الحكومة له الوظائف المكتبية المريحة وعطايا ومنحا على شكل رواتب شهرية لتوزيع الثروة من دون أن تخطط بشكل صحيح لتنمية المهارات المهنية والحرفية واستثمارها لتعزيز عملية التنمية والإنتاج، فبعد شقاء وتعب أصبح المواطن - بشكل عام - مترفا، يبذر أمواله على الأمور الاستهلاكية غير المهمة، فهو لم يعد يشقى كما في السابق لتأمين قوته ويظن أن «نل» الحكومة مفتوح لا ينضب.. وكيف يحظى هذا المواطن البسيط بتلك السيولة من دون أن يكون لبعض المتنفذين نصيب؟ وبالفعل هَمَّ بعضهم بإغراء الناس بالقروض الكبيرة والأقساط المريحة والمضاربات المالية (سوق المناخ (الجت) وغيره)، حتى تحول ذلك المواطن المترف مؤقتا إلى استهلاكي مثقل بالديون، وراتبه المضمون من الحكومة الذي يتلقاه نظير بصمة أو توقيع حضور في الأغلب.. لم يعد يفي بحاجاته ولا التزاماته.

هذا النمط الاستهلاكي الريعي الذي عزَّزته الإدارة الحكومية بقصد أو من دون قصد قتل روح الإنتاجية لدى المواطن الذي أغرته صفقات الربح السريع والسهل وعدم المسؤولية، وهذا هو مرتع الفساد الذي نعاني منه اليوم.

فمثلا تطبيق النظام الضريبي لا يتوافق مع نهج الدولة الريعي، وأصبح أمرا ملحا للاندماج في الاقتصاد الدولي، الذي غايته تعبئة الإيرادات الحكومية لتمويل الإنفاق على السلع والخدمات وتعزيز المشاركة الاجتماعية لكل أفراد المجتمع بلا تمييز، وتحقيق العدالة والرفاه الاجتماعي.

ولكن تفشي الفساد والهدر وسياسة التجهيل وعدم الشفافية وتقييد حرية التعبير تعد صريح على أهم المبادئ الديموقراطية التي يترتب عليها فقدان ثقة المواطن بمصداقية الإدارة الحكومية وعدم القبول بالالتزام بالنظام الضريبي.

إن علاج الخلل الناتج عن سوء الإدارة يستوجب قراءة متفحصة للماضي وتقييماً للحاضر والسعي في إحداث التعديلات المتوافقة مع متغيرات المستقبل، فلا نهضة تتحقق بعقليات جامدة تتمظهر بقشور التغيير.

إيمان جوهر حيات

emanjhayat750@gmail.com

@the0truth 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات