على الأغلب، تفهم معظم الترقيات الحكومية في المناصب المؤثرة على أنها تكريم للأشخاص أو لأسباب ذات صلة بكسب الولاءات ومد النفوذ وإنجاز المصالح الخاصة وما شابه. وبالمقابل، لا يفهم هذا الأمر على أنه إناطة مسؤوليات أكبر وأخطر وأهم تقديراً لسجلهم المهني وإنجازاتهم المتميزة ونجاحاتهم غير المسبوقة. وعبر هذا الفهم تكون فترة احتلال المنصب فرصة لتحصيل المكاسب الإدارية والمالية والمادية. وفي سبيل ذلك، تستهدف مساعي المسؤول طوال الوقت إرضاء رؤسائه أو من أوصلوه إلى هذا الموقع والإعلان عن إنجازات تحقق الإبهار وتجلب الثناء وليس مهماً فيها المضمون، وهو في ذلك يسطو على إنجازات مرؤوسيه ويبعد الأضواء عن المتميزين منهم، ويحرص على إبقائهم في الظل دوماً. وليس لنا أن نتساءل بعد ذلك عن خطط تفشل ومخالفات تتكرر وموارد تهدر وشيوع التذمر والإحباط والتقاعس.

هذا الوضع مستمر منذ عقود طويلة، ولا يبدو في القادم المنظور أنه سوف يتغير، فبدلاً من استمرار شكاوى البرلمانيين حتى ممن يشارك منهم في تكريس هذه الأوضاع وإطلاق مسميات احتجاجية مثل «التعيينات البراشوتية» وما إليه، فلماذا لا يقترح أحدهم استحداث آليات يمكن أن تساهم في معالجة هذا الوضع أو على الأقل محاصرة آثاره المدمرة. فعلى مستوى الجهاز الحكومي، يمكن أن يطلب مجلس الخدمة المدنية من المرشحين لتلك المناصب تقديم ما يسمى في الأوساط العلمية Proposal أو «مقترح بحثي» على أن يضمّن إجابات محددة لما ينتوي المرشح القيام به تجاه أمور أساسية، من قبيل دوره في خطة التنمية واستراتيجية تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد والمخالفات التي ترصدها الأجهزة الرقابية، وفي مقدمتها ديوان المحاسبة. وتكون هذه الورقة شرطاً لاجتياز مقابلة أمام لجنة عليا مختصة يشكّلها مجلس الخدمة المدنية بأعضاء متغيرين بحسب اختصاصات المنصب الشاغر. ومن شأن تنفيذ مثل هذه الآلية استبيان قدرات المرشح على صياغة أفكاره وإيجازها وتخطيطه للإصلاح وتحقيقه للإنجازات، وحتى في حال استعانته بمن يعد له هذه الورقة كما هو متوقع، فسوف تجعله ملماً بواقع القطاع الذي سيسأل عنه، وستضعه على محك الاختبار، وتكون أساساً للمساءلة التي اعتمدتها استراتيجية نزاهة كواحدة من أولوياتها الثلاث عشرة. ولاحقاً تكون هذه الورقة أساساً للاستماع إليه ومساءلته عنها أمام اللجان المختصة في مجلس الأمة التي يجب أن تدرج هذا المهمة ضمن مسؤولياتها.

إنها خطوة أولى في رحلة يجب أن تبدأ الآن وقبل فوات الأوان.. ترجلوا من عليائكم.

عبدالحميد علي عبدالمنعم

aa2monem@hotmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات