الوفاء بعهدهم (2)

إعداد: مبرة الآل والأصحاب -

مما ورد في كتاب عمر إلى أبي عبيدة بخصوص أهل الشام: وامنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم وأكل أموالهم إلا بحلها، ووفِّى لهم بشرطهم الذي شرطت لهم في جميع ما أعطيتهم.. (الخراج لأبي يوسف).

وبلغ من وفاء عمر وأبي عبيدة رضي الله عنهما بغير المسلمين أن أجاز عمر ما يعد منعه في عرفهم نقضاً للعهد، روى عبدالله بن قيس أو ابن أبي قيس، يقول: كنت فيمن تلقى عمر مع أبي عبيدة مقدمه الشام، فبينا عمر يسير، إذ لقيه الْمُقَلِّسُونَ (الْمُقَلِّسُونَ: هم الذين يلعبون بين يدي الأمير إذا وصل البلد) من أهل أَذْرِعَاتٍ بالسيوف والرَّيحان، فقال عمر: «مه، ردوهم وامنعوهم»، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، هذه سُنة العجم، أو كلمة نحوها، وإنك إن تمنعهم منها يروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم، فقال عمر: «دعوهم، عمر وآلُ عمر في طاعة أبي عبيدة». (الأموال لابن زنجويه)

وروي أن عمر حين حضرته الوفاة أوصى من يُستخلف بعده بأهل الذمة خيراً، وكان من وصله لهم: أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ. (أخرجه البخاري).

وروي عن سُليم بن عامر رجل من حِمير قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَوْنٍ وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلُّها حتى ينقضي أمدُها أو ينبِذ إليهم على سواء» فرجع معاوية. (أخرجه أبو داود).

وفي خبر آخر أورده البلاذري وغيره أن الروم صالحت معاوية على أن يؤدي إليهم مالاً، وارتهن معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك، ثم أن الروم غدرت فلم يستحل معاوية والمسلمون قتل من في أيديهم من رهنهم وخلوا سبيلهم، وقالوا: وفاء بغدر خير من غدر بغدر. (فتوح البلدان للبلاذري).

التسامح

إن هذا بحق لهو ذروة التسامح الذي نهجه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به بقوله: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». (أخرجه أبو داوود).

وكان شرط الوفاء بالعهد من شروط الصلح، التي أجراها خالد بن الوليد في فتوح العراق مع بطْرِيق عانات وأهلها، والنقيب والكواثل، وقرقيسياء وغيرها.

ولم يردّ ذلك الصلح على خالد أبو بكر، ولا ردَّه بعد أبي بكر عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

قال أبو يوسف: ولست أرى أن يهدم شيء مما جرى عليه الصلح ولا يحول وأن يمضي الأمر فيها على ما أمضاه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ فإنهم لم يهدموا شيئاً منها مما كان الصلح جرى عليه. (الخراج لأبي يوسف).

وعن عكرمة عن ابن عباس: أنه سئل عن العجم، ألهم أن يحدثوا بَيْعة أو كنيسة في أمصار المسلمين؟ فقال: أما مِصر مصَّرته العرب فليس لهم أن يحدثوا فيه بناء بَيْعة ولا كنيسة، ولا يضربوا فيه بناقوس ولا يظهروا فيه خمراً ولا يتخذوا فيه خنزيراً، وكل مِصر كانت العجم مصَّرته، ففتحه الله على العرب فنزلوا على حكمهم فللعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا لهم بذلك. ( الخراج لأبي يوسف).

إن هذه الشواهد من تاريخ وتراث الآل والأصحاب لهي من شواهد نبل تعاليم الإسلام، إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع ويريد للبشرية أن تعف فلا يبيح الغدر في سبيل الغلب، وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة.

إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنرين الذين ينقضون العهود ومن ثم لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات