«لا شيء يُرسخ الأشياء في الذاكرة كالرغبة في نسيانها» (ميشيل دي مونتين)

دائماً الفن الراقي يأخذ حقه من التقدير، ويكرم عاجلاً أم آجلاً. وهنا سأتحدث عن أهم روائيي العصر الحديث: المصري نجيب محفوظ، والتركي أورهان باموق، اللذين حازا جائزة نوبل.

ثمة تشابه بين الاثنين، وهو أنهما انحازا إلى المدينة العتيقة ورائحتها، وأزقتها الضيقة، وأهلها البسطاء، وتعاملا مع الإنسان كما هو، حتى في أقسى لحظاته، وكتبا بعمق ينقل بصدق عما يجري وراء الجدران، لم يجملا أو يتجملا، كانا شاهدين لمراحل تاريخية أثرت وما زالت تؤثر في مناحي الحياة، وأسلوب حياة الإنسان البسيط في القاهرة واسطنبول.

أتساءل أحياناً: ما الذي أبرز محفوظ وباموق رغم وجود الكثير من المبدعين من الروائيين؟ هل لأنهما الأفضل؟ لا اعتقد أن هذا هو القياس، بل أعتقد أن محليتهما هي التي أبرزتهما ورفعت شأنهما على مستوى العالم. عندما يتناول الروائي أحداثاً عامة ومواضيع مستهلكة صعب تحصل كتاباته على التأثير في ذهن القارئ، لأنه لا جديد في ذلك مجرد رأي يتفق او يختلف مع سواه من الآراء التي تتناول حدثا ما، إنما عندما يغوص في بحر المدينة او القرية المحلية ويتنقل بين شعابها المرجانية التي من النادر ان يراها او يقرأها القارئ، هنا يبدأ الإبداع في وصف ماهية المدينة العتيقة أو القرية ليكون انطباعاً جديداً عند القارئ، بغض النظر عن سلبية او إيجابية الطرح، لأنك في النهاية امام مشاهد فريدة نادرة النشر، وهذا ما تميز به محفوظ وباموق، نقلا فقط مجريات الاحداث على حقيقتها، وكأن القارئ امام بث مباشر يتلمس الناس ومعاناتهم وافراحهم واتراحهم.

عن محفوظ قال وزير الثقافة الفرنسي الأسبق رونو دونديو لو فابر: «قام نجيب محفوظ برسم لوحات دقيقة لمجتمعه وبلده وبالأخص القاهرة»، وهنا يبين بجلاء المعنى الحقيقي للتأثير الذي أوقعه محفوظ في نفوس الناس، إنه رسم لوحات دقيقة لمجتمعه، اتصور انه أعطى للقارئ تأشيرة دخول للقاهرة وأتخيله وهو جالس على أريكة مريحة يقرأ «قصر الشوق» أو «بين القصرين»، أو حتى روايته المذهلة «أولاد حارتنا».

يقول اورهان باموق: «لكل مدينة صوت لا يمكن أن يُسمع في غيرها، صوتٌ يعرفه جيداً كل هؤلاء الذين يعيشون في المدينة، ويتشاركون فيه كأحد الأسرار»، الأسرار والصوت الذي لا يسمع إلا في اسطنبول، هو الذي تولى نقله باموق للقراء، واخذهم في جولة بحواري اسطنبول العتيقة وأزقتها، وعرفوا المجتمع التركي الحقيقي من كتاباته التي امتزجت بين سطورها ضحكات وآهات أهل المدينة التاريخية، الذين ومن خلالهم استطاع الوصول إلى نوبل.

ان اعلى درجات الأدب عندما تكتب بصدق وعفوية، ومن القلب، عندها لن يخذلك القارئ، بل سيكون التفاعل بقدر ما تم الإفصاح به، صحيح هناك سلبيات أو آراء يفضل الكثيرون حجبها او تجاوزها، لكنها تبقى واقعاً لا مفر منه، وهذا الذي فعله محفوظ ولم يتجاوزه، لذا كانت المحاولة الآثمة لاغتياله في اكتوبر 1995م. وكذلك عانى باموق من آرائه السياسية وتعرض لانتقادات شديدة.

يوسف عوض العازمي

@alzmi1969

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات