الدهاء الإيراني قديم جداً، فالإيرانيون وهم يتلقون الضربات القاسية يصورون للداخل الإيراني أنهم منتصرون، ويقومون باختلاق الكذبة تلو الأخرى عن انتصارات مزعومة أو هزائم لخصومهم.

هذا الأسلوب «الغوبلزي» الذي كان يتبعه وزير الدعاية السياسية في ألمانيا النازية والمتمثل في رواية كذبات تتبع كذبات، للأسف، نجحت إيران عبره ليس فقط في إقناع الداخل الإيراني بأنها المنتصرة، بل استطاعت خداع قسم كبير من الرأي العام العربي، بعضه حسن النية، وبعضه يريد أن ينقل هذا الزيف الإيراني ليغيظ دولاً أخرى.

لنضرب بعض الأمثلة التي حصلت الشهر الماضي فقط.

البحرية الأميركية أسقطت طائرة إيرانية مسيرة في منتصف شهر يوليو الماضي حين اقتربت من قطع بحرية أميركية، لكن الإيرانيين طبقوا نظرية غوبلز فتجاهلوا الخبر ونفوا أن تكون هناك طائرة تابعة لهم قد سقطت.

وحين جرى التشكيك في نفيهم نشر الإيرانيون صوراً ملتقطة من طائرة مسيرة أخرى ليثبتوا أن الطائرة المعنية لم تسقط، وهو ما كشف أنهم يريدون إخفاء شيء ما.

المثال الآخر لكذب إيران وميليشياتها حين أعلنت ميليشيا الحوثي عن استهداف مدينة الدمام التي تبعد عن قواعدهم نحو 3 آلاف كيلومتر بصاروخ بركان، وهي الكذبة التي لم تصمد طويلاً، حيث تبين أن هذا الصاروخ كان مجرد كذبة إيرانية أخرى استهدفت خلق رأي عام يعتقد أن ميليشياتها هي المنتصرة.

المشكلة الكبرى تتمثل في أن وسائل إعلام خليجية وعربية تنقل ما تنشره إيران وميليشياتها وكأنه حقيقة واقعة، فيجري خلق رأي عام غير دقيق.

إيران في ورطة حقيقية، وسلسلة التراجعات غير المسبوقة التي اتخذتها الحكومة الإيرانية أخيراً، ومن ضمنها عرض معاهدة عدم اعتداء على دول الجوار، والتعامل بشكل جدي ومن دون مماطلة مع دولة الإمارات في ما يتعلّق بالحدود البحرية وأمن مدخل الخليج العربي تنفيذاً لمعاهدات تنسيقية سابقة، والبحث عن تفاهمات في ما يتعلّق بالعلاقات التجارية.

لم تكن الحكومة الإيرانية تتعامل بهذه الليونة قبل سنة من الآن، فحينذاك كان المسؤولون الإيرانيون يتفاخرون بالسيطرة على أربع دول عربية، وكانت إيران تطرح نفسها لاعباً إقليمياً. أما اليوم وبعد القرار الأميركي بمنع تصدير النفط الإيراني، وبعد الإعلان عن تشكيل قوة بحرية دولية لحماية مدخل الخليج العربي، تظهر إيران على حقيقتها البعيدة عن شعارات «الموت لأميركا» كبلد محاصر ولا يستطيع أن يمنع هذه القوات الأجنبية من الاحتشاد على حدوده.

النظام الإيراني الحالي يعتمد وبشكل كبير على أسلوبين في الحكم:

الأول يتمثل في توزيع الأدوار بين عناصر النظام، فحين يطلق المرشد الأعلى علي خامنئي تصريحاً حاداً ضد أميركا والغرب ليكسب ود الرأي العام الإيراني، يقوم الرئيس الإيراني حسن روحاني بتخفيف حدة تصريح المرشد بتصريح أقل خشونة، ثم يأتي وزير الخارجية جواد ظريف ليعرض على الغرب تعاون إيران، ثم يعود الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني على شمخاني ليطلق تصريحاً تصعيدياً ضد السعودية والإمارات ليضمن أن الرأي العام الإيراني لم يتأثر بتصريح ظريف اللين. كل هذا يتم وبشكل منسق وفي يوم واحد.

الأسلوب الثاني الذي يتبعه النظام الإيراني يتم عبر دعم إعلام إيراني مخادع لديه كثير من الأوجه، فهناك الوجه الواثق والقوي وهو الذي يخاطب به الداخل الإيراني، وهناك الوجه العبوس وهو الذي يواجه به السعودية والإمارات ودولاً عربية أخرى، وأيضاً هناك الوجه المبتسم للغرب من أجل كسب الود.

وبين هذا وهذا وذاك، نجد النظام الإيراني يطلق تصريحات متشددة ضد الغرب سرعان ما يخفف أثرها بوسائل عدة.

لا تهدوا للنظام الإيراني انتصارات مجانية بتصديق ونقل دعايته السياسية المضللة، فغوبلز الذي خدع الألمان كثيراً كان أحد أسباب سقوط ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، فالكذب لا يمكن أن يؤدي إلى الانتصار.

داهم القحطاني

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات