إذا أردت الحقيقة فعليك أن تدفع

على الرغم من وصف الرئيس دونالد ترامب لصحيفة نيويورك تايمز بـ«الفاشلة»، فإن الصحيفة حققت نجاحاً مذهلاً في عام 2017. فقد قفزت الاشتراكات الرقمية وحدها، فيها بنسبة 46 في المئة في عام 2017، وتجاوز إجمالي إيرادات الاشتراك فيها المليار دولار عام 2018، بينما أضافت صحيفة وول ستريت جورنال 300 ألف اشتراك رقمي للسنة المالية 2017.

من ناحية أخرى، رأينا تراجعا في تقدير الرأي العام لبعض المنافذ الإعلامية الجديدة. فقد وجد استطلاع، أجرته جامعة ميسوري للمستهلكين في العام الماضي، ونشره موقع ODWYRPR الإلكتروني، أن مواقع إلكترونية مثل «احتل الديموقراطيين» و«بازفيد» و«بريتبارت»، كانت من بين مصادر الأخبار التي حازت على الثقة الأقل في نظر الجمهور. واحتلت صحيفة ايكونوميست قائمة المصادر الإخبارية الأكثر موثوقية، وارتفعت اشتراكاتها بنسبة 30.8 في المئة في عام 2015. كما وضعت الصحيفة خطة لمضاعفة أرباح التوزيع بحلول عام 2020.

وما نراه ليس سوى رحلة إلى الجودة. فقد قلل قرص خوارزمية «الأصدقاء والعائلة» على موقع فيسبوك من تأثير العناوين الصارخة. وعلى الرغم من أنه لا يزال هناك رواج لمثل هذه الحيلة في غوغل نيوز، فإن شركة غوغل الأم أعلنت مؤخرا عن التزام بقيمة 300 مليون دولار لدعم منافذ الأخبار المتميزة. وتتضمن هذه المبادرة «اشترك مع غوغل»، وهي ميزة تتيح للقراء الاشتراك في مصادر الأخبار عبر حساباتهم على غوغل، أي أننا نعود مرة أخرى إلى عصر الأخبار القائمة على الاشتراك.

العودة إلى المستقبل

كانت أوائل الصحف الأميركية قائمة على الاشتراك، لأنها نبتت من رحم الأحزاب السياسية. لكن تكنولوجيا الطباعة بعد الحرب الأهلية أدت إلى ظهور صحف رخيصة توزع بواسطة الباعة في الشوارع.

وفي مثل هذه البيئة، كانت الصحف ذات العناوين الأكثر إثارة تحقق أعلى المبيعات. ولم يكن أحد يعبأ بالحقيقة أو المصداقية، لأن الفكرة كانت تحقيق أعلى المبيعات. مثل هذه الصحافة الصفراء أدت إلى الحرب الأميركية ــ الأسبانية، في تسعينات القرن التاسع عشر، وواجهت صحيفة نيويورك تايمز، التي كان يملكها أدولف أوتش، انتشار الصحافة الصفراء من خلال الترويج لصحيفته بأنها تمثل العكس، أي صحيفة رصينة تركز على الحقيقة بدل الإثارة.

لقد أصبح تدفق العناوين الجاذبة على فيسبوك وغوغل هو النظير الالكتروني لباعة الصحف في الماضي، الذين كانوا يقرأون الأخبار المثيرة للصحف التي يبيعونها على اسماع القراء. لكن فيسبوك حدّت من تدفق الاخبار، واتخذت غوغل خطوات لمكافحة الأخبار الكاذبة، وبدأتا الترويج لفكرة الاشتراكات بدلاً من مصادر الأخبار القائمة على الانطباع.

مرة أخرى، يبدو أن مصادر أخبارنا تديرها الأحزاب، في الولايات المتحدة على الأقل. فالديموقراطيون ـ مثلاً ـ لا يثقون في فوكس نيوز. والجمهوريون، بالمقابل، لا يصدقون شبكة «ام اس ان بي سي». وفي الحقيقة، معظمنا يفهم أن كلا الحزبين يميلان إلى تقديم تفسير متحيز للأحداث على حساب الموضوعية.

الشك ليس لمصلحة الصحف

من النتائج المترتبة على أزمة الأخبار الكاذبة هو أن هناك المزيد من الشكوك حول منافذ الأخبار غير المعروفة. وبينما ترتكب كل من صحيفتي نيويورك تايمز وول ستريت جورنال أخطاء، يميل الناس إلى إدراك أن اخبارهما تكون صحيحة، في الغالب. لكن الناس الآن أقل استعدادا لإعطاء ميزة الشك لمصلحة المؤسسات الإخبارية التي لا يعرفونها. ففي عام 2015 ربما تكون قد شاهدت عنوانا رئيسيا من مصدر غامض، وقلت في نفسك: «إنه خبر رائع». لكن ردة فعلك الآن، أصبحت: «إنه خبر رائع. ولكن هل هو صحيح؟».

لقد اصبحنا اليوم أكثر حكمة مما كنا عليه قبل بضع سنوات. معظمنا لم يعد يأخذ أي أخبار على شبكة الإنترنت على محمل الجد، إلا إذا كانت من مصدر موثوق به. هذا، بالطبع، لعب لمصلحة منافذ الاعلام المعروفة، لكن يمكن للقادمين الجدد من منافذ الاعلام أن يضعوا بصماتهم من خلال نشر تقارير دقيقة وأخبار رائعة، من دون الالتفات إلى عدد المعجبين أو عدد المشاركين لأخبارهم. والخبر السار هو أننا بصدد بناء قاعدة قراء تعطي الأولوية للحقيقة وتحاصر الأخبار الكاذبة. أما الأخبار السيئة فهي انك اذا كنت تريد الحقيقة، فعليك أن تدفع ثمنا لها.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات