منذ أسبوع علَّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الوضع المتوتر في مياه الخليج، مشيراً إلى أن دول الخليج قادرة على توفير الحماية لسفنها التي تحمل النفط للتصدير إلى دول خارج مضيق هرمز، معللاً تلك النصيحة بأنها دول غنية مثل الكويت وقطر وغيرهما من الدول المستوردة مثل بروناي..

جاءت هذه النصيحة بعفوية اعتاد عليها العالم وصارت قاعدة في رصد ملامح السياسة الخارجية الأميركية، وفيها الكثير من الظرافة التلقائية، وأيضا الكثير من الغلاظة المزعجة.

وينتقل الرئيس ترامب في تعليقاته مصوباً أسهم السخرية تجاه حلفائه في أوروبا ويحلق في «مسجاته» على «تويتر» نحو الصين وأفريقيا ويلوح باللوم لتقاعس هذه الدول ويختتم عادة بالثناء على إسرائيل وديموقراطيتها وترابطها مع الولايات المتحدة.

اعتدنا على هذه الولائم السياسية الفكاهية التي يقدمها الرئيس يومياً للعالم، غير عابئ بردود الفعل وغير مهتم بجديتها وبإسقاطاتها على الآخرين، وحل هذا التقليد بدل البيانات الرسمية التي كانت تخرج من البيت الأبيض.

لم يأت في تاريخ الولايات المتحدة رئيس خرج عن قواعد التقاليد الرسمية المتبعة، مثل ما فعل الرئيس ترامب فهو قادم من بيئة رجال الأعمال الذين لهم نهج مختلف في التعامل مع شؤون الحياة، فلا التزام سوى بحسابات الربح والخسارة، ولا هدف سوى الكسب، فلا يوجد ولاء لضوابط العمل إلا سرعة التحرك لقنص الفرص وحصاد الأرباح.

ويهمني في هذا المقال استحضار التفاهمات العالمية التي حددت تصنيف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في سلم التطور، وأعطت تعريفاً للدولة الغنية، وآخر للدولة النامية، وثالث لدولة السيولة liquid State، فجاءت الترتيبات الأولى في أوروبا وأستراليا ونيوزلندا واليابان، وهي الدول المتقدمة التي تملك التكنولوجيا والمواد الخام وتتمتع بطبيعة فيها أنهار وغابات وتملك قاعدة واسعة من الفنيين والمتخصصين في مختلف العلوم، وهذه شريحة تسمى الدول المتقدمة Developed State، والشريحة الثانية هي الدول النامية في أفريقيا وآسيا ومعظم الدول اللاتينية، وهي دول تملك مواد خام وأنهارا وغابات لكنها لا تملك التكنولوجيا التي تسخر هذه الإمكانات ولا تملك البنية التحتية التي تساهم في استغلال الإمكانات، وأكثر من ذلك لا تملك رؤوس الأموال لكي تستثمر فيما تملك، ومن هذا الممر دخلت الشركات العالمية إلى اقتصاديات الدول النامية وأدارت مواردها الطبيعية وصدرتها وحددت أسعارها وفق ما تراه هذه الشركات في حق الدول النامية.

وعن الكويت وقطر ودول الخليج الأخرى، جاء التصنيف أنها دول ذات فائض Surplus State، وهذا الفائض من حصيلة مصدر غير دائم يتآكل دوره مع التكنولوجيا، وهي فوق ذلك دول لا تملك لا مياه ولا غابات ومواردها الطبيعية محصورة في النفط، وهي دول نامية وفق القواعد التي وضعتها الأمم المتحدة.

وهناك شروط لا بد أن تراعيها دول الفائض لكي تستمر في قدرتها على مواكبة أعباء الدولة، وهي أن تستثمر وتدخر وتدير حسب إملاءات الضرورة، وتضع أهم استثماراتها في التعليم لخلق ثروة من عقول وطنية والإسراع في بناء بنية تحتية تمكنها من تقديم أحسن فرص التعليم وفنون الإدارة، كما أن عليها مسؤوليات في الإسهام في برامج التنمية العالمية في الدول النامية وفي المؤسسات المالية العالمية، وفق مفهوم تداول الثروة Recycling of Wealth، وما زالت الكويت بعيدة عن الوفاء بشروط الالتحاق بضرورات الدخل الثابت من استثماراتها ومن تعاظم ثروتها البشرية، وتظل دولة سيولة وليست دولة الدخل المستديم، وهذه الحقائق تنطبق على جميع دول مجلس التعاون، فخياراتها في الدخل البديل ما زالت في فصل التجارب والبحث والتفكير، وهنا يخرج علينا الرئيس ترامب بتصنيف من دفاتر رجال الأعمال، من يملك الكاش يملك منطقياً القرار، وهذا غير صحيح في بناء الدول.

ولدت الأمم المتحدة من قرار جاء من الولايات المتحدة، بدعم بريطاني وتردد سوفيتي، بعد الانتصار على النازية وبعد تجربة عصبة الأمم المتحدة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى من مؤتمر فرساي 1919، فشلت لأن الكونغرس الأميركي رفض العضوية فيها، ومنها جاء التصميم من إدارة روزفلت وبعده ترومان على أن يكون مقر الأمم المتحدة في الولايات المتحدة لإزالة موجات المعارضة الانعزالية.

واختيرت نيويورك موقع الثروة والقوة كمقر للمنظمة، التي خصصت مكانة فريدة في ميثاقها للدول المنتصرة، الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي وفرنسا والصين، على أن تتحمل هذه الدول مسؤوليات خاصة وفريدة في الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين، ويعني ذلك أن تعالج مواقع التوتر بالأسلوب الجماعي من خلال مجلس الأمن، بالدبلوماسية، وبالقوة إذا فشل الحوار.

ولأن الاتحاد السوفيتي اعترض على دور اللجنة العسكرية التابعة للأمم المتحدة وخشي من استغلالها لمصلحة الغرب، فقد تولت الولايات المتحدة بالمبادرات وبقوة الدبلوماسية التدخل لإزالة التوترات، واحترام قواعد السلوك الدولي، كما حدث في عام 1951 في كوريا، وفي 1956 في السويس، وفي تحرير الكويت، وفي الكونغو.

وعندما تتخلى الولايات المتحدة عن مسؤولياتها تجاه الميثاق وتضحي بموقعها المتميز، تنتشر الفوضى ويسود التوتر وتتضخم المخاطر كما نراها الآن في بحر الخليج حيث تستفيد إيران من بيانات الرئيس ترامب بأن الولايات المتحدة غير معنية بواقع الخليج لأن دول الفائض تملك الوسائل، ففي هذا الموقف تجاهل مسؤوليات الدولة العظمى وفق الميثاق للمبادرة بالتشاور بحثاً عن آلية تطوق التوتر، ولا يمكن قبول الطرح الذي ينادي بعدم مسؤولية الولايات المتحدة عن الوضع المتوتر، هناك مصالح أميركية بارزة في استمرار الأمن الخليجي، دون اضطراب، وهناك ثروات أميركية سياسية ومادية وإستراتيجية توجد على تراب دول مجلس التعاون، وأكثر من ذلك فالحلفاء المقربون من واشنطن هم اليابان وشرق آسيا يعتمدون على نفط الخليج المؤمن استمرار تدفقه وفق قاعدة المنافع المتداخلة بين المنتجين والمستهلكين وهذا التداخل في المنافع يشكل أحد أعمدة الأمن العالمي.

لا يمكن للولايات المتحدة أن تتحرر من عضويتها في شبكة التداخل الأمني العالمي ولا من مسؤولياتها في تحمل أثقال هذه الشبكة، وأخطر ما سيواجهه العالم الدعوة إلى الانعزالية الأميركية في الدبلوماسية العالمية.

وهنا تكمن خطورة تغريدات الرئيس ترامب.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات