مصطفى خليفة

مصطفى خليفة

باريس ـــ أنديرا مطر - 

لا يقتصر الحوار مع الكاتب المعارض السوري مصطفى خليفة، المقيم في باريس، على الأدب وفن الرواية، بل يمتد ليشمل السياسة والثورة السورية المغدورة، من دون ان تغيب عنه ذكريات المعتقل المريرة.

في احدى ضواحي باريس، حيث يقيم، التقينا بخليفة صاحب الشهادة الروائية «القوقعة» عن السجون السورية، التي يعتبرها البعض قمة أدب السجون والرعب. والرواية صدرت بالفرنسية في 2007، ثم بالعربية بعد سنة، بعدما تشجعت دار الآداب على نشرها. ويروي فيها خليفة تجربته المروعة في سجن تدمر لـ13 سنة. ويقول خليفة ان بطل روايته هو توليف بين شخصيتين: الكاتب نفسه، وصديقه المسيحي الذي درس الإخراج السينمائي في فرنسا، وعندما عاد الى سوريا اعتقل بتهمة انتمائه للإخوان المسلمين.

«اعتقلت سابقا مرات. في البداية لم تكن آلة القمع بالفجور الذي عرفته لاحقاً. كنا نُعتقل لمدة أشهر، ومن ثم يطلق سراحنا. بدأ النظام يستشرس منذ مطلع الثمانينات. حينها اعتقلت بتهمة انتمائي الى منظمة يسارية، وبقيت حتى 1994».

بعض الضوء

لم تمح السنوات آثار السجن من داخله. ينشغل عنها بتفاصيل الحياة اليومية، وببعض الضوء المشرق من انجاز ادبي او من بهجة عائلية. تخفت المرارة قليلاً، لكنها راسخة في الذاكرة والوعي. انتظر خليفة سنوات قبل ان يشرع في سرد تجربته. فالكتابة تحتاج الى الهدوء والتوازن لا توفرها اولى سنوات الحرية، التي تكون أشبه بلحظة بين اليقظة والنوم.

لم تغطَّ تجربة المعتقلات أدبياً كما يجب برأي الروائي السوري. فتاريخ سوريا خلال خمسين سنة هو تاريخ سجون ومعتقلات. صدر خلالها بضعة روايات فحسب، فيما ألف رواية لا تكفي لتغطية ما فعله نظام الاسد الأب وابنه بالسوريين. يستغرب كيف ان الاسلاميين، الذين عانوا ما عانوه من الظلم والاعتقال لم يدون اي منهم تجربته روائياً، «في حقبة الثمانينات المريرة كان الاسلاميون واليساريون يتشاركون التجربة القاسية نفسها، ولكن قتل اليساري في السجن لم يكن مطلوباً. اما المتدين فيتعمد السجان تعذيبه حتى الموت».

لا يبدي خليفة حماسة وترحيبا بـ«طفرة ادب الثورة السورية». فالثورة السورية التي يعتبرها «أهم حدث ثوري حقيقي منذ 1400 سنة في بلاد الشام» تحتاج مسافة زمنية ليمكن الكتابة عنها بعمق وموضوعية وحياد.

وهذه الثورة التي آمن بها ودفع أكلافها مسبقاً لا يمكن ان تموت او تفشل. وهو ينقض رأي بعض كارهي الثورة ممن يعتبرون انها سبب الحرب الأهلية في سورية فـ«السوريون عاشوا على الدوام حرباً أهلية مضمرة وكامنة، ولو انتصرت الثورة كانت ستنهي هذه الحرب».

مراحل الثورة السورية

يستفيض في الحديث عن الثورة التي مرت بثلاث مراحل: الاولى استمرت نحو سنة وكانت ثورة سلمية حقيقية. اما بعد 2012 فظهرت التنظيمات المسلحة وتوزعت القوى بين قوى الثورة الحقيقية، النظام وميليشياته، والتنظيمات الاسلامية. والطرفين الأخيرين برأيه اجتمعا على العداء لشباب الثورة المدنيين. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التدخل الخارجي التي حولت سورية الى ساحة نزاع دولي وبات السوريون إما ضحايا أو أدوات.

يبدو خليفة متآلفا مع «منفاه» رغم عدم اجادته اللغة الفرنسية. لا يعتبر فرنسا منفى او بلادا للجوء. فهو تعرف اليها من ادبها المترجم الى العربية، حفظ اسماء مدنها ومقاهيها، وانشأ معها علاقة افتراضية قبل ان يطأ ارضها. «نحن جيل ولدنا بعد تحرر سورية ولبنان من الاستعمار الفرنسي. شهدنا وعشنا تجربة الثقافة الفرنسية التي قضى عليها حزب البعث حين قبض على الحكم».

وهو لم يختر فرنسا بلادا للاقامة ولكن حصل الامر بتواطؤ قدري. يخبرنا انه في اول زيارة له الى فرنسا في 2005 (بدعوة من منظمة امنستي في اعقاب انتفاضة القامشلي) عرضوا عليه الجنسية الفرنسية فرفضها. كانت رغبته ان يقيم في بلد عربي وتوافرت له فرصة للعمل في الامارات. وحين انتهت صلاحية جواز سفره توجه الى السفارة السورية لتجديده فطلبوا منه التوجه الى دمشق وكانت تهديدات كثيرة على شاكلة «سنجعل جلدك طبلة» تصل اليه تباعا من مسؤولين سوريين. حينذاك حضر خيار اللجوء الى فرنسا كمرساة نجاة.

لماذا نكتب؟

أصدر خليفة منذ سنتين رواية «رقص القبور» عن دار الآداب، وهو مشروع قديم بدأه في السجن لكنه لم يخرج الى النور الا بعد ثلاثين سنة: «أنا كسول وبطيء. مشاريعي مؤجلة دوما. الكتابة بالنسبة لي مرتبطة بالرغبة والاحساس بالجدوى اضافة الى عامل العمر الذي يلعب دورا سلبيا احيانا».

ما جدوى الكتابة؟ نسأله. يسترجع خليفة نقاشا دار في السجن حول هذه المسألة: «كنا ستين شخصا في مهجع واحد نتحايل على المساحة. معظمنا سياسيون وبعضنا مشاريع كتّاب. في غمرة النقاشات الادبية طرحنا موضوع جدوى الكتابة، فقلت بنوع من اليأس واللاجدوى ان تاريخ البشرية حفل بانتاج ادبي هائل على صعيد الادب والشعر والقصة والرواية (رغم انها فن حديث) فإذا لم نستطع ان نضيف جديدا للنتاج الادبي فلماذا نكتب؟ أحدهم قال إن الاسئلة الكبرى في الحياة كالموت والوجود والعدم شكلت محاور كتابات كل المبدعين، ولكن كل بأسلوبه».

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات