جمال أهل الكويت أيام زمان في الترابط والتآزر والحرص على بذل الخير بينهم في السراء والضراء، وكذلك في الأيام الاعتيادية، ويتمثل ذلك في العلاقات الطيبة بين الجيران ومعرفة كل أحوالهم وتمني الخير والسعادة لهم دائماً، و«نقصة الطعام» تمثل أحد مظاهر ذاك.

«النقصة» مأخوذة من رغبة ملحة في انتقاص أهل البيت جزءاً من طعامهم لمصلحة الجيران رغبة في كسب الثواب والأجر، فضلاً عن حرصهم على توثيق صلة الود بينهم، وإشعارهم أنهم معهم يحبون لهم ما يحبون لأنفسهم، ويتمنون لهم الخير كما يتمنونه لأنفسهم.

عادة تحرص ربات البيوت آنذاك على إعداد الطعام وتحضيره بصورة أكثر من حاجة الأسرة، بغية تعهد الجيران ببعض الطعام كنقصة من طعامهم ومشاركتهم فيه عطفاً ومحبة، وهو أمر ندب إليه الشرع الشريف في كثير من الأحاديث النبوية الشريفة، فالتطالع بمواضعها.

وتزداد هذه العادة الجميلة خلال شهر رمضان، فتجد الأبواب تقرع، بل الكثير منها يظل مفتوحاً قبيل الإفطار نتيجة كثرة أطباق الطعام الآتية من الجيران، والخارجة من البيوت ذاتها لغيرهم من الجيران، وتستمر على ذلك إلى أن يحين وقت أذان المغرب.

والقادم الحامل للنقصة عادة يكون من الأطفال الصغار الذكور، وأحياناً من الإناث، أو الخدم. يحملون النقصة ويبادرون من يتلقاها بالسلام مخبرين أنها من بيت فلان أو فلانة من الجيران، في ود وحبور وإشعار بأن الدنيا لا تحلو إلا بالتعاون والتآزر وتفقد أحوال الجيران ألفة ومحبة وصلة.

و«النقصة» قد تكون في مناسبات عامة كأيام عيدي الفطر والأضحى، أو لمناسبة معينة كالولادة أو الختان أو الخطبة أو الزواج أو لشفاء مريض، أو لعودة مسافر، أو لعودة حاج من مناسك الحج، أو لإتمام حفظ القرآن الكريم أو بعض أجزائه.. وغير ذلك.

ومن عادة أهل الكويت قديماً وحديثاً أن الطبق أو الوعاء الذي جاء مملوءاً بالطعام لا يرد لأهله فارغاً، بل يملأونه بطعام مثله أو أطيب منه تقديراً منهم لمن تكلف وتفضل بإيراده، وفيه إشعار بأن جزاء الإحسان لا يكون إلا بمثله.

«نقصة الطعام» ما زالت باقية إلى اليوم، وإن كانت أقل من ذلك الزمن الجميل، الذي كان الجار يعرف كل أحوال جاره وحقوقه. إنها المدنية وما صنعت اليوم، فأضحى الناس بسببها في شغل شاغل عن أولويات لازمة، وقد تباعدت المنازل، وتنافرت أحياناً القلوب.

يا جمال زمن تقاربت فيه البيوت، وتآلفت فيه القلوب، بل بعض البيوت في ذاك الزمان فتح باباً (فرية) بينه وبين جاره، خاصة ان كان من الأقارب كدلالة على الألفة والاجتماع والصلة، وأضحت «نقصة الطعام» مبذولة بينهم كل حين، فهنيئاً اليوم لمن عرف حق جاره، وتآلف معه قرباً ومحبة وتعاهده بالخير في كل وقت.

يا من قرأت مقالي هذا بادر إلى صلة الحديث بالقديم، وتعاهد أهلك وأحبابك وجيرانك بنقصة الطعام، لعل الله يجعل لك فيها باب خير، وتأليف قلب، وفاتحة تذكرهم بالفضل والكرم وحسن العشرة وجميل المودة، فالمعروف يبقى وإن طال الزمن، والنفوس تهوى من طبعه البذل والوئام.

د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات