تنفيذاً لإستراتيجية سمو الأمير في ترسيخ الترابط بين الكويت والعراق في جميع المسارات، بخطوط منافعية وانسياب تجاري، قام وزير التجارة السيد خالد الروضان بزيارة إلى البصرة واجتمع مع الوزير العراقي ومسؤولي المحافظة من أجل التوافق على تشييد منطقة حرة في موقع سفوان بهدف الانطلاق الثنائي في تمتين مسار المصالح التجارية والاستثمارية وتوظيف الجغرافيا لخدمة البلدين في رغبتهما للانطلاق المستقبلي المثمر.

كان وزير التجارة الكويتي في زيارته القصيرة يفتح أبواباً أغلقتها مغامرات الطيش، التي قادت العراق إلى مواجهات تضر بمصالحه وتؤذي شعبه وتدمر واقعه وتقلق مستقبله وتتآمر على جيرانه.

وانتهى حكم السفاهة بأحداث نعرفها وسجلها التاريخ، وكان قرار البلدين في فصل الرشد العقلاني، الذي يعيشه العراق، وبفضل الهمة الأميرية التي ترفض الرضا بالجمود في علاقات البلدين، وما تبثه هذه المهمة من ديناميكية في اتخاذ خطوات تترجم هذا التوجه، وتشكل أساس الانطلاق، التقت إرادة البلدين في القرار المتعلق بتدشين منطقة التجارة الحرة واتساع الأبواب للانسياب التجاري، وما يتيحه من قنوات استثمارية وتداخلات بشرية بين أبناء الشعبين، وبدافع تعزيز المكاسب التي ينتظرها كل من الشعبين العراقي والكويتي.

كنت أتابع تحركات الوزير في منطقة البصرة، وكأني أتابع هبوط مركبة كويتية على سطح القمر، لأننا عانينا من مرارة الخداع وتألمنا من دناءة التضليل، واتجهنا بعيداً عن الجوار الجغرافي تاركين علاج تلك المرارة لحكم الزمن وللاستجابة لمنطق الحقائق الذي سيوجد مع قيادات قادمة.

تلك الخطوة التي تبدو ضئيلة، بمقاييس الطموح الكبير، تشكل لدينا العبور الجديد إلى فضاء آخر يعيش فيه ناس غير الذين عانينا منهم، ويقودهم رجال يتسيدهم العقل النير الحريص على بناء العيش الكريم لكل مناطق العراق ولجميع فئاته، رجال يستلهمون العقلانية، ويحترمون القناعة، ويدركون متاعب الطموح المتشدد، ويريدون العراق دولة منارة للتفاهم وبقعة النوايا الطيبة الناشدة للتعايش الكريم مع كل الجيران.

ومع هذا التحول المنطقي في حوار الجوار بين العراق والكويت، أود أن أبدي بعض الملاحظات التي يجب ألا تغيب عن البال، لأنها وقائع تفيد المنطقة كلها، إذا وضعناها كعائد إيجابي واستوحيناها في تشييد مبنى حديث ونظيف للعلاقات الكويتية ــــ العراقية:

أولاً: تحتل الكويت مكانة مميزة في إستراتيجية الأمن الخليجي التي يجسدها مجلس التعاون، ويتعذر الوصول إلى تفاهم بين أي طرف ينشد علاقات خليجية حسنة بمعزل عن الكويت، وبعيداً عن دورها الخليجي البارز، ولأنها المعبر الطبيعي للمنطقة، فمن الصعب بناء علاقات مثمرة مع الأطراف الخليجية دون الاعتبار للوجود الكويتي الإيجابي فيها.. هذه وقائع سعى أصحاب الطموحات الخيالية إلى تجاهلها فحصدوا الخيبة.

وعندما نتحدث عن منطقة تجارية حرة في سفوان، نتجه نحو المشاركة الخليجية في هذا المشروع الحيوي، ونحو دول الجوار الأخرى، ونخلص إلى أن ازدهار التجارة والترانزيت يستوجب علاقات مستندة إلى تفاهمات إقليمية حسنة النوايا، فيها تبادلية الاحترام والثقة والانفتاح، وطيب السلوك وحسن المعشر.

ثانياً: ومع التطورات الإيجابية في العلاقات العراقية ــ الكويتية، المدعمة بالمؤازرة الخليجية، تتأثر العلاقات بين الدول العربية ايجابياً، فينكمش البرود وتدب الحيوية في مسار العلاقات العربية، ويتجدد الأمل في نظام عربي جديد منسجماً مع قواعد العمل الدولي ومستجيباً لتطورات التجديد.

لم تكن القيادة السابقة التي أدارها حزب البعث بمستوى العراق ولم تكن كفئاً لتولي السلطة فيه، ولم تكن مؤهلة للانخراط في النظام الأمني العالمي، حكمت بالنار والدمار والاغتيال والتآمر، فقضت على الأساس الذي قام عليه النظام العربي السياسي، وشكل العاشر من أغسطس 1990 ــ القمة العربية في القاهرة ــ نعياً حزيناً لتلك العلاقات.

ثالثاً: يتابع العالم الوضع في المنطقة لأسباب إستراتيجية حيوية مرتبطة بأمن الطاقة وسلامة ممراتها، وحكم هذا العالم على دول المنطقة وفق عقلانية الخليج في التعامل مع الأزمات، ويراقب التموجات في العلاقات بين إيران ودول الخليج، ودور العراق في هذه الأزمة، ومدى مساهمته في تخفيف التوتر، ومساحة الشوط الذي قطعه في تطوير التفاهم مع الكويت، ولا يمكن أن يتجاهل العالم الفوائد التي سيجنيها الجميع من بناء حسن جوار مثمر بين الكويت والعراق، وبالطبع ترتفع مصداقية العراق وتتقدم صورته الإيجابية إقليمياً وعالمياً، ويتعزز دوره كمساهم أساسي وصادق في منظومة الأمن الخليجي.

رابعاً: ستدخل المنطقة حول سفوان فصل الانفتاح الاقتصادي والاستثماري، الذي سيشجع القطاع الخاص الكويتي على طرق المنافذ، ليدخل منها مساهماً وشريكاً وطرفاً سياسياً واقتصادياً في هندسة مستقبل هذه المنطقة، عبر مشاريع مشتركة ستوظف عمالة عراقية، وتستفيد من السوق العراقية الواسعة، وتوفر لها خبرات في مختلف المجالات.

ولا شك بأن الاتساع سيضم العراق، وإيران التي تستفيد من المنطقة الحرة في تآلف اقتصادي ثلاثي مستقبلي.

ونعترف بأن المكاسب الاقتصادية تهدئ الطيش الثوري، وأن التحسن في مستوى حياة الشعب يخفض الحماس الأيديولوجي، ولا شك بأن هذه الحقيقة لا تغيب عن مخططي الدبلوماسية الإيرانية.

خامساً وأخيراً: لا بد من استتباب الأمن في العراق، وضمان الاستقرار وتنشيط الإدارة في الأداء الوظيفي والاحتكام إلى الانضباط في العمل مع التخلص من نظام المحاصصة السياسية، هذه ضرورات التطور، والقراءة الصحيحة للمستقبل ستأخذنا إلى موكب جديد في العلاقات بين الكويت والعراق، مختلف عن المواكب البائسة التي عشنا فيها سابقاً.

كلمة أخيرة حول حجم الإصرار على تنفيذ التوجهات الأميرية من قبل العناصر الكويتية المعنية، وضرورة اعتبار هذا التوجه اختياراً سيادياً إستراتيجياً، لا بد أن تواكبه إرادة عراقية عازمة على الشراكة الاقتصادية التي ستتولد من هذا المشروع التجاري الحيوي، ونتعامل معه كاختبار لما يمكن أن يلحقه من المشروعات التي تحتويها سلة التفاهم الإستراتيجي.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات