«الصياد لا يطلق النار على كلبه»، قد يكون هذا مثلاً، أو عنواناً لحكاية، ولكنه قول لا يخلو من المنطق، ولا يتعارض مع حقائق الأمور، وهو في النهاية عنوان لحوار دار بين محاميين، أب وابنه، ولا نعتقد أن مضمونه أو مغزاه سيمر مرور الكرام على الحصيف الذهين، لأنه ليس من العقل أن يغلق الإنسان أبواب رزقه، فيبادر الى إطلاق الرصاص على من يأتي له بربحه ومصالحه، إنه لغباء ما بعده غباء.

فالحكاية تقول: ان أباً كان يمارس مهنة المحاماة لسنوات عديدة، ولكنه، وفي أحد الأيام، وبعد أن كبر في السن، قرر أن يتقاعد ليرتاح من مهنته المرهقة، ليتركها لابنه المحامي الشاب المتخرج حديثاً في كلية الحقوق، وقام بالتنازل لابنه عن جميع أعماله وقضاياه وملفاته.

تسلم الابن الحديث التخرج مهامه الجديدة بحماس كبير، وبدأ سريعا بإنجاز الدعاوى، التي تركها له والده، والعالقة في المحاكم لسنوات طويلة.

وذات يوم أتى الابن إلى والده يزف إليه خبراً، ظاناً أنه سيسعده، وقال له: يا والدي أبشرك بأني قد فزت بالدعوى التي عجزت أنت عن إنجازها على مدى 15 عاماً، فنظر له والده وقال له متحسراً: أتعتقد أنك بفعلتك هذه أذكى مني؟ وهل كنت تعتقد أنني لم أنجز هذه الدعوى لأني عاجز عن حلها؟ لقد كنا يا ولدي نأكل من هذه الدعوى ومن غيرها خبزاً على مدى سنوات طويلة، ولكنك ها أنت بتسرعك وعدم فطنتك ولقلة خبرتك قد قطعت مصدر رزق كان يدر علينا ثروة لا بأس بها، وأغرقت في غمضة عين المركب الذي كان يزودنا بالمال الوفير، يا ولدي إنك بفعلتك هذه قد أطلقت النار على كلبنا الذي كنا نصطاد به.

هذه الحكاية لا علاقة لها بالمحامين ولا بمهنتهم، ولا تمسهم بشيء، فالمقصود هنا دول عظمى نصبت نفسها محامية لقضايا حقوق الأفراد والإنسان والتعبير، كان بإمكانها حلها، وهناك قضايا انتهاكات لاإنسانية مورست في دول عدة ضد البشر أحجمت عن حلها، مما أطال في معاناة أصحابها، بل في أحيان كثيرة كانت هي المتسبب فيها من أجل مصالحها المادية والسياسية.

انها حكاية لها إسقاطات سياسية تحديدا، فهناك قضايا كان بالإمكان حلها ورد الحقوق لأصحابها منذ عقود مضت، كقضية فلسطين، وهناك قضايا عدم حلها تسبب في سقوط ضحايا ودمار وتشريد كما حصل في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهناك أعمال إرهابية قامت بها منظمات وميليشيات، وحتى دول معروفة أوصافها، كان بالإمكان وضع حد لها، ولكن المصالح والسياسة هي التي تتحكم فيها، فهل سمع أحدكم بصياد يطلق النار على كلبه؟ وهل هناك من يقتل دجاجة تبيض له ذهباً؟

ملحوظة: الحكاية منقولة بتصرف.

طلال عبدالكريم العرب

talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات