أرجو ألا يغضب مني الإنسانيون الجدد أو الحقوقيون الطارئون، فثمة موجة جديدة عاتية لا يعرف لها أحد ذروة أو قراراً، هي موجة المغردين «البدون»، أو إن شئت «المقيمون بصورة غير قانونية».

بداية وابتداء، التعميم مرفوض في كل الأحوال، وشخصياً ضد تعميم حدث أو موقف، لكن ظاهرة انتشار الحسابات الوهمية على «تويتر»، التي بدأت تتنمر على الدولة والمجتمع، وتملأ الفضاء ضجيجاً وصخباً، ليتضح أن صاحب ذلك الحساب «بدون» بعد أن يقع بقبضة رجال الأمن.

بعيداً عن الموقف من قضية المقيمين بصورة غير قانونية، والأسباب والمعالجات، يتبين أن السواد الأعظم من تلك الحسابات «بدون» ذمة ولا ضمير ولا حتى أخلاق!

إنها لظاهرة تدعو إلى الاستغراب حقاً، فالمتابع لتلك الحسابات بعين المنصف العادل وعقله يرى أن جلها إما مسيء للدولة ورموزها، أو حاقد على المجتمع وأهله عبر بث الإشاعات ونشر الأكاذيب والبذاءات. أتعجب كيف تطالب بالحصول على جنسية بلد تشتمه وحكومته ليل نهار؟! وهل يعقل أن تدعي الحق بالانتماء والاندماج وتسيء إلى الشعب الذي ترغب في الانضمام إليه أو الذي تعتبر نفسك جزءاً من مكونه؟! لا أعرف حقاً لماذا ينظر بعض «البدون» إلى الدولة والمجتمع والناس والبرلمان بهذه الطريقة الفجة، فهم المفروض أحوج ما يكونون إلى التعاطف المجتمعي والدعم الحكومي والنيابي؟! ولماذا عندما يكون لك رأي ووجهة نظر من ملف «البدون»، فذلك يعني بالضرورة

أنك عنصري ولا إنساني، ومن الممكن أن تتهم كذلك بالكفر والإلحاد، بل من المحتمل أيضاً أن تُشتم في ذمتك وشرفك! فكمية الإرهاب التي تمارس ضد كل من له موقف من «البدون» أصبحت لا تطاق، ليس من «البدون» أنفسهم، بل من كل من يسير في ركابهم ويحمل لواء قضيتهم. والمعضلة أن هؤلاء يرفعون شعار حرية الرأي والتعبير! يطالبون بحرية الرأي، لكنهم يقمعون كل رأي مخالف لرأيهم في حالة غريبة صعبة الفهم والتفسير!

كمحام شهدت وتابعت العديد من قضايا «أمن الدولة» ضد المغردين «البدون» من أصحاب الحسابات الوهمية على «تويتر»، وكانت هذه الحسابات تبث الإشاعات والأكاذيب، إما عن الحالة المالية والاقتصادية للدولة، أو تسيء إلى رموز البلد وأعضاء حكومته وبرلمانه. وقد أصدر القضاء العديد من الأحكام النهائية الباتة بالحبس على هؤلاء، وهم قابعون في السجون حالياً تنفيذاً للعقوبة.

الأمر المستغرب في حالة الحسابات الوهمية لبعض المغردين «البدون» أن بعض جماهيرها ومتابعيها تصفق لها بحماس شديد، وكأنها تشجع مطربها أو فريقها المفضل، وتعيش حالة من الهلوسة والجنون، فتصدق كل ما تبثه تلك الحسابات وتتناقله في مواقع التواصل الاجتماعي كخبر ثابت لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكأننا أمام عملية تنويم مغناطيسي كان قد تحدث عنها مولانا غوستاف لوبون في سيكولوجية الجماهير، وفي ظني سوف تستمر هذه الحالة تعصف في المجتمع ما دامت الجماهير تلهث وراء الأكاذيب والإشاعات والغوغائية، وتبتعد عن العقلانية والعلم والفكر.

بسام العسعوسي

@Bassam_Alasousi

info@bassamandbassam.com



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات