عبير الورد، وجمال الكون في قلوب تعرف الفضل ولا تنكر الجميل، وتصنع الفرحة أينما حلَّت. طاب الزمان بهم أحياءً وأمواتاً، أمهات لن يلد الزمان مثلهن؛ قناعة، وطيب معشر، وتحملاً للمسؤولية دون كلل ولا ملل، ولا تذمر ولا ضجر، يعرفن حقيقة واجباتهن، والحنان يبذلنه فطرة وعفوية تألفهما النفوس الزكية، أنعم بهن منبتاً وأصالة. إذا قبَّلت جبهة أو رأس إحداهن شَمَمْتَ الطيب ورائحة الورد والعود.

بيوت الطين في بساطتها، جعلت كل الجمال في ردهاتها وجنباتها، الحوش، والليوان، ودار المقعد، والمطارح والمساند، والروشنه، والمرش، والمبخر، والصندوق المبيت، والجندل، والباسجيل، والباقدير، والقليب والبركة.. كل هذا يحاكي جمال الأمهات وتنقلهن في البيت من مكان إلى آخر، واستخدامهن لكل أداة مما ذكرنا وما لم نذكر.

الصدق والتضحية ومكارم الأخلاق عناوين ناطقة لكل كلام ولكل عمل ينجزنه، ولكل فعل يدخرنه، فالحرص على تماسك الأسرة وتآلفها والسهر على راحتها.. أولويات فرضتها طبيعة الحياة آنذاك، خضوع لأزواجهن في غير مهانة، لا صوت يرفع، ولا باب يقرع، خَفَرٌ وحياء، سماحة ولطافة، وتهليل وتحميد وتكبير، وشكر دائم على المتفضل بالنعم.

إن العين لتدمع، وإن القلب من خفقانه يكاد يسمع، حين نتذكر معاناتهن في رعاية الأسرة زوجاً وأبناء وبنات، وإعداد الطعام لهم، وتنظيف البيت، وغسل الأواني، وتنظيف الحوش، وغسل الملابس في المنزل اعتياداً أو في البحر أحياناً، وغيرها من الأعمال المنزلية المرهقة بدنياً. يعملن ذلك كله في أثناء حضور الزوج، وأثناء غيبته في رحلتي الغوص على اللؤلؤ، والسفر الشراعي أو انشغاله في الأعمال اليومية المهنية. كل هذا وذاك، في زمن لم تعرف أغلب بيوت أهل الكويت استخدام الخدم، وكانت البنات يساعدن الأمهات تحقيقاً لصادق البر، من دون منة ولا أذى.

أمهات الأمس كانت قلوبهن بياض الثلج، وأعمالهن شاهدة على طيبتهن، وتحملن المسؤولية في زمن كانت الحاجة ماسة لتلك الأدوار. تجد ذلك حقيقة إذا ما تحدثتَ مع الواحدة منهن في هذا الزمن، فإنك تجد في تعابير الوجه وآهات النفس ما يفطر قلبك ويلامس روحك، فتدرك سر جيل من الأمهات الخيرات اعتاد أن يحمل همومه في قلبه، ولم يبح بها تضحية وفداءً لسرور يزرعه على وجوه الآباء والأبناء والبنات.

أمهات ذاك الزمان رَبَّيْنَ أولادهن وبناتهن من المهد إلى اللحد، فالحنان بداية مع الرضاعة الطبيعية، والعطف إنما يكون في التفقد صحة وسقماً، وفي تعلم مكارم الأخلاق ونبل الطباع، والكبير يظل في أعينهن طفلاً مدللاً، يتفقدنه في كل أحواله، في يقظته ومنامه، ويسهرن على راحته في مأكله ومشربه، وإن تعلل في مرضه لم يغمض لهن جفن حتى يتأكدن من راحته وهناء نومه.

رحمتهن وعطفهن أحاطا بالأرحام جميعاً صلة، وبالجيران ألفة ومسرة، وتلمساً لأحوالهم وحاجاتهم، فالطعام يطبخ وتراعى فيه حاجة الجيران؛ مشاركة وملاطفة لقلوب فطرت على حب الخير وتتبع موارده في المسرات والأحزان.

نافسن البدر في تمه اكتمالاً، خُلقاً وطيب معشر، أكرم وأنعم بهن أمهات للكويت في الزمن الجميل، سرن على دروب الخير، وصنعن مجداً تالداً لا تغيب رسومه عن الأذهان، فبارك الله لهن في القليل، وأثابهن الخالق الرازق بالجزيل، فلهن منا أجمل ذكرى وأطيب تقدير.

د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات