عندما تكون بالسيارة متوجهاً من الدمام إلى الخبر على الطريق الداخلي الذي يربط هاتين المدينتين، تشاهد على يمينك –عندما تصبح قريباً من مدينة الظهران– مبنى ضخماً يبهرك تصميمه ويحيرك الغرض من إنشائه، لدرجة أنه يبقى في ذاكرتك حتى عندما يختفي عن زاوية الرؤية. ولحسن الحظ عندما التقيت بقريبي بعد ظهر الخميس 18 الشهر الجاري، اقترح علي أن أزور مركز الملك عبدالعزيز الثقافي (إثراء)، الذي تأكدت من أنه هو ذلك الصرح الإنشائي المبهر الذي يقع في شرق مدينة الظهران. وحددنا أن يكون موعد الزيارة بعد ظهر يوم الجمعة 19 من الشهر الجاري. وأخبرني قريبي بأن مركز الملك عبدالعزيز الثقافي متعدد الأغراض، وقد عقد فيه مؤخراً مؤتمر القمة الإسلامي. لكن أغراضه العلمية والثقافية والفنية هي الطاغية. وأنه يعرض فيه حالياً 27 لوحة فنية للفنان النرويجي أدوارد مونش (1863 – 1944). وعندما سألته عمّا إذا كانت لوحته الشهيرة «الصرخة» من ضمنها، أجابني بالإيجاب.

وفي اليوم التالي، ونحن نقترب من مركز الملك عبدالعزيز الثقافي (إثراء)، أتساءل بيني وبين نفسي: كيف يتفتح ذهن المصمم للمباني المميزة على تصميمها؟ وكيف يلعب ما يوجد في الطبيعة في إطلاق فكرة التصميم؟ فمثلاً من المباني التي يعجبني تصميمها في الكويت برج الحمرا، الذي أخمن أن فكرته مأخوذة من مشاهدة ورقة مطوية من إحدى زواياها. أما المبنى الذي أصبحنا نقترب منه تدريجياً، ففكرته مأخوذة من تراصّ الحصى بعضه على بعض في الصحراء. فالمكتب النرويجي سنوهيتا الذي صمم المبنى، لا بد أنه أخذ تعليمات عامة من شركة أرامكو (المالكة للمشروع) بأن يكون التصميم من البيئة. ومن يمش في الصحراء، لا بد أن يلاحظ أنه في المناطق التي ينتشر فيها الحصى أو الحجارة التي حولت عوامل التعرية زواياها الحادة إلى منحنيات، يشاهد أحيانا تقارب واتكاء الحصى بعضه على بعض. لذا فإن فكرة التصميم قد تكون قد أتت من مشاهدة أربع قطع من الحصى أو الحجارة المتراصة. إحداها أعلى من الثلاث المحيطة بها، كما أن هناك قطعة مقابلة ومنفصلة عنها.

هذا، وعندما وصلنا إلى موقف السيارات، أخبرني قريبي بأن هذا الصرح المميز تم اختيار موقعه ليكون بجوار البئر رقم 7. وهي أول بئر يكتشف فيها النفط بكميات تجارية. ويبدو أن موضوع البئر رقم 7 معروف ليس في تاريخ الاستكشاف في السعودية فقط، وإنما في تاريخ السعودية ككل. وقد أمر المغفور له الملك عبدالله بن عبدالعزيز أن يطلق عليها اسم «بئر الخير».

وكما يبهر التصميم الخارجي لـ «إثراء»، كذلك تبهر التصاميم الداخلية. ولعل أكثر ما يميز المبنى داخلياً هو أن الانتقال من مستوى إلى آخر في المبنى يكون أغلبه عن طريق منحدرات إلى أعلى أو أسفل (ramp). ويذكرني هذا بمتحفي جوجنهايم في نيويورك وبلباو في الباسك في أسبانيا. حيث يشترك تصميم «إثراء» مع هذين المتحفين، لأن جاذبية تصميم الصرح تنافس ما يحتويه من أعمال فنية أو أغراض تعليمية.

د. حامد الحمود

Hamed.alajlan@gmail.com

@hamedalajlan


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات