يتحدث جون فريمان عن نشأة كتاب كارل غوستاف يونغ الإنسان ورموزه لظروف غير عادية تعود لمشاهدته لكارل يونغ عبر الشاشة في ربيع 1959 لإجراء مقابلة معه ففكر بالخسارة الكبيرة لأن يونغ لم ينشر أعماله ولم يعرفه الجمهور ونحن نعلم قصة الكتاب الأحمر الذي ظل عند ورثته وظهرت نسخته الكاملة بعد ما يقارب خمسين عاما من وفاته، ويتحدث يونغ إلى الجزء العقلاني منه، وقد أسماه «روح هذا الزمن» وهي الشخصية التي تمثل كل شيء عقلاني، أما الشخصية الأخرى فهي «روح الأعماق»، وتمثل كل ما هو روحاني، ولهذا السبب يصف جون فريمان اللاشعور عند يونغ باعتباره مكمن الرغبات المكبوتة، ولهذا السبب فإن التمعن بالإنسان ورموزه حسب رؤية كارل يونغ هو المرشد الكبير والصديق والناصح المستشار للوعي عند الإنسان، لذلك تشير الدكتورة فون فرانز في فصلها المعنون بعنوان عملية التفرد التي يتعلم بواسطتها الوعي واللاوعي عند الفرد كيف يعرف احدهما الآخر وكيف يحترمه ويتكيف معه، فجوهر فلسفة يونغ في الحياة أي الإنسان يصبح كُلاً، متكاملاً، هادئاً، مثمراً، وسعيداً، ونظراً لأن كل حلم هو رسالة فردية خاصة وما من حلمين يَستخدِمَان رموز اللاشعور بالطريقة ذاتها، ولقد اكتشف يونغ بمراقبته عدداً كبيراً من الناس وبدراسته لأحلامهم إذ يقدر أنه فسر ما لا يقل عن ثمانين ألف حلم حين يرى المرء الأهمية الحيوية أي الأثر الشافي أو المدمر للرمز، فكثير من الناس يحلمون بالأشخاص أو بالمناظر أو بالمواقف نفسها هذا الجهد التنظيمي هو أشبه بـ«ذرة نووية» في منظومتنا النفسية، لقد أطلق يونغ على هذا المركز اسم «النفس الكلية».

فعلى مر العصور كان الناس بحسهم البديهي يعون ذلك، وقد دعاه الإغريق باسم الروح الحارسة الداخلية للإنسان، أما في مصر فقد عبَّروا عنه بمفهوم الروح الثنائية، وهناك كثير من الأساطير والحكايات الخرافية يجد المرء أن السحر أو سوء الطالع كمواجهة أولية، وحين تكون الحياة النفسية لدى الفرد مهددة بالخطر يتعين على الإنسان أن يبدأ بسلسلة من الإدراكات بابتلاعه الحقائق المرة، فعبر الأحلام يطلع المرء على جوانب من شخصيته، فيفضل لأسباب مختلفة ألا ينظر إليها عن كثب وهذا ما دعاه يونغ «فهم الظل وإدراكه»، وقد استخدم كلمة الظل تعبيراً عن ذلك الجزء اللاشعوري من الشخصية نظراً لأنّه غالباً ما يظهر عملياً في الأحلام بهيئة شخص.

من الواضح إذن أن مشكلة الظل تؤدي دوراً كبيراً في الصراعات السياسية كلها وأنك تشعر بسخط شديد يعتمل في داخلك حين يوبخك صديق، ومن الطبيعي أن تشعر بالضيق والانزعاج حين يوجه إليك الانتقاد أناس ليسوا أفضل منك في هذه النقطة ستجد جزءاً من ظلك جزءاً لا تعيه.. تلك هي اللحظة التي يلقى فيها القبض على الأنا متلبسة، والنتيجة هي الصمت القَلِق عادة، هذه الاكتشافات لسيكولوجيا الأعماق لا بد من أن تغير شيئاً ما في وجهات نظرنا الأخلاقية الجماعية.

أخيراً مفهوم يونغ لعمليات التفرد عندما يقوم المرء بمحاولة رؤية ظله يصبح واعياً وغالباً خجلاً، لكنه يستطيع رؤيتها بسهولة عند الناس كالأنانية والنذالة والأوهام الزائفة والكيد والجبن والجشع وغيرها.. وشكراً.

يعقوب عبدالعزيز الصانع

@ylawfirm



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات