كثير من الناس تَركوا لنا وصايا، وكتبوا سِيَرهم الذاتية، أي أعطونا خلاصة تجارب حياتهم وما مر فيها من أحداث ومشاهد، ورسموا بعض تفاصيل حياتهم في عدد من الصفحات ليهدونا نتائج خبراتهم خلال سنوات طوال. أذكر أن إحدى المعلمات في المرحلة الثانوية أوصتنا بقراءة كتب السير الذاتية بما فيها من منفعة في فهم الحياة بشكل أكبر، ووصيتها تلك لا تزال ترن في أذنيّ، وأنا بدوري أوصي بها القرّاء. المهم أن إحداهن طلبت مني أن أقرأ لها بعض قصاصات حياتها ووصاياها التي على حد قولها إنها لن تنشرها وستكتفي بالاحتفاظ بها. عندما أمسكت بالأوراق المدونة بخط اليد وقرأت أول جملة، التفت إليها وقلت لها إنني لن أكمل ما كتبته في الوقت الحالي، حيث إن ما جاء في الصفحة الأولى جدير بالتفكير، إذ ذكرت أنها تعلمت من حياتها أنها إن لم تستطع مواجهة البحر فستدير له ظهرها. معنى ذلك الهروب من المواقف التي نجد فيها صعوبة بالتعامل معها. لكنها ذكرت أنها تعني بذلك الهروب الصغير، الهروب مما لا نستطيع تغييره، فإذا ظل الإنسان يكسر بيده الحجر الصلد ستُكسر يده قبل أن يكسره. كذلك الهروب من المشاعر التي تؤذينا، فما جدوى مواجهة أمور ليست بأيدينا! ثم إن بعضاً من الهروب الصغير مواجهة، فبذلك الهروب الصغير نستطيع أن نُصفي أذهاننا، ومن يدري ربما نعود إلى حيث كان الحجر حاملين معنا ما قد يعيننا على كسره. الهروب الصغير يعني العودة إلى أنفسنا بعد ما نسينا أننا أيضاً جزء من هذا العالم.

د. نادية القناعي

Naalqenaei@gmail.com



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات