فتاتان في عمر الزهور، واحدة في التاسعة عشرة من عمرها، والثانية في العشرين، التقينا بهما في قرية ساحلية أوروبية. كانتا تقفان على طرف الرصيف تغنيان بعذوبة وأمامهما قبعة مقلوبة. نظرت في القبعة فوجدتها فارغة، أمر ما جعلنا نشفق عليهما، قلنا لهما لماذا لا تغنيان لنا خصيصا وسنرى ما تكسبان.

بدأت البنتان بالغناء. أغنية جرت سؤالا، وسؤال جر استفسارا، واستفسار جر قصة وحكاية. طلبنا منهما أن تحكيا لنا قصتهما وتحدثاننا عن نفسيهما، وما الذي تفعلانه في تلك البقعة من العالم. قالت إحداهما إنهما فرنسيتان، طالبتا جامعة، في إجازة الصيف تسافران عبر أوروبا للسياحة عن طريق الـhitchhiking أو «الأوتوستوب»، ولكونهما طالبتان، فهما لا تملكان الكثير من المال لصرفه في السفر، فتلجآن الى الغناء أحيانا والى العمل أحيانا أخرى، حتى تتدبرا مصاريفهما أثناء الرحلة.

بدأت بالتوتر وأنا أسمع تفاصيل رحلة البنتين، وبقلب أم سألتهما أين تنامان؟ فكان الرد الذي جعلني انتفض: في أي مكان نجد فيه سريرا. استفهمت: يعني أين؟ قالت الصغيرة نسأل الناس إن كانوا مستعدين لاستضافتنا لعدة أيام، أو نجد عائلة عندها سرير فارغ، فالكثير من الناس يعيشون بمفردهم ويشعرون بالوحدة ويسرهم أن يستضيفوا غرباء ليوم أو يومين. سألتها هل تدفعان مقابل المبيت، فقالت: لا، هو بالمجان. أحيانا نضطر الى أن نقوم ببعض الأعمال الخفيفة مقابل مبيتنا، ومنذ أيام قمنا بتنظيف فندق صغير مقابل أن يعطونا غرفة نبات فيها.

قفز قلب الأم مرة أخرى وأنا أتخيل ابنتي مكانهما: ألا تخافان؟ ألم تتعرضا لاعتداء؟ لمضايقات؟ لخطر؟ وكان الجواب الصادم: لا.. أبدا، أسوأ شيء حصل معنا أننا وصلنا جزيرة من الجزر في وقت متأخر من الليل ولم نجد من يمنحنا مكاناً للمبيت، فاضطررنا الى أن ننام على كراسي البحر على الشاطئ، البرد فقط ما أزعجنا.

سألتهما: لماذا تفعلان ما تفعلان وأنتما في هذا العمر الغض والخطر أيضا؟ فكانت الإجابة: نحن شابتان، ولا نملك المال، وأهلنا غير مستعدين أن يمنحونا المال.. هل يعني ألا نسافر؟ بل نسافر ونتحدى ونغامر لنرى العالم ونعيش شبابنا، فربما عندما نكبر لن تسمح لنا الظروف أن نفعل ما نفعل.

كنت أحكي القصة لأمي وأختي وأنا بين المعجبة بمغامرة البنتين وشجاعتهما، وبين الخوف عليهما من أخطار الدنيا والطريق، وكانت أمي وأختي تنصتان باهتمام، فقلت لهما إني سأكتب عن الفتاتين، فانتفضت أمي: «لا.. لا تعلّمي بناتنا هذه القصص، مو ناقصين». فردت عليها أختي: بل بالعكس دعيها تكتب فربما يشعر أولادنا بمقدار الرعاية والحنان والحماية والحب الذي يعيشونه في مجتمعاتنا، وربما يقدِّرون النعمة التي هم فيها.

دلع المفتي

dalaaalmoufti@

D.moufti@gmail.com



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات