من يمر على مبنى الصحة المدرسة الموجود حالياً في موقعه القديم نفسه في ضاحية عبدالله السالم، يسترجع شريط الذكريات لهذا المبنى الذي تردد عليه أغلب طلاب وطالبات الزمن الجميل، ومن لم يدخله لم تغب عن مخيلته صورته، فكان لهذا المبنى دوره الريادي في متابعة الحالة الصحية إذا ما عجزت العيادة المدرسية عن علاجها، وكان عمله مكملاً لدور العيادة المدرسية في كل مدرسة آنذاك.

ومن دَرَسَ في مدارس الكويت وقتئذ يدرك حقيقة ذاك التكامل بين وزارات الدولة، فخدمات وزارة الصحة كانت نشطة أيضاً في مدارس وزارة التربية والتعليم، فالعيادة الطبية المدرسية وُجِدَت في كل مدرسة، فيها عادة الطبيب المناوب والممرض والممرضة، العيادة يخصص لها غرفة بالمدرسة مزودة بالاحتياجات الطبية اللازمة والإسعافات الأولية.

والأمر الذي تميزت فيه العيادات الطبية المدرسية أنها كانت تتابع بصفة دورية وبشكل دقيق حالة كل طالب وطالبة في المدرسة عبر برنامج صحي موضوع سلفاً، فكل تلميذ أو تلميذة له ملفه الصحي الذي يُدوَّن فيه تاريخه الطبي، وعمل العيادة كان يغطي كل طلاب وطالبات المدرسة الواحدة في كل فصل دراسي. والهدف الأسمى تلافي نواحي القصور الصحية التي تحول دون التحصيل الدراسي الأمثل.

تقوم تلك العيادات باستدعاء طلاب وطالبات الفصل الواحد في أوقات حددتها مع الإدارة المدرسية، فيخرج الطلاب والطالبات في نظام إلى تلك العيادة، حيث تُقاس فيها أطوالهم وأوزانهم، ومناسبتها للصحة الاعتيادية، ويُكْشَف على صحة الفم والأسنان، لضمان نظافة الأسنان وخلوها من التسوس، ومن يكتشف تسوس بعض أسنانه دُوِّن ذلك في ملفه الصحي، ثم حُدِّد له موعد لاحق لذهابه إلى الصحة المدرسية لإجراء العلاج اللازم هناك.

كما أن للعيون عناية خاصة في العيادة المدرسية، والأمر غاية في الأهمية، خصوصاً في المرحلة الابتدائية، حيث يمكن اكتشاف عيوب النظر في قصره أو طوله أو حول العين وغيرها باكراً، ويُحدَّد مستوى النظر وقوته، ومن يُكتشف فيه عيبٌ يُحدَّد أيضاً موعد له لإرساله إلى الصحة المدرسية للكشف الدقيق عليه لتحديد النظارة اللازمة لتقويم نظره أو توصية لإجراء عملية تصحيحية لمسار النظر.

وكذا الحال بالنسبة للأذن، والغرض أيضاً اكتشاف عيوب السمع مبكراً وعلاجها، وإرسال من يلاحظ قصور سمعه إلى مبنى الصحة المدرسية لتحديد حاجته لسماعة الأذن أو عدمها.

كما كان عمل العيادة المدرسية الطبية نشطاً في ذلك الوقت لمتابعة التطعيمات اللازمة التي يجب أن يأخذها الطالب أو الطالبة ضد الأمراض المعدية وغيرها كالشلل والتيفوئيد والحصبة والجدري والدرن والسحايا، فضلاً عن الأمراض الطارئة كالكوليرا والملاريا وغيرها من الأمراض التي يعرفها أطباء البشر، وكانت المتابعة والتطعيمات لكل طالب وطالبة تتم بصورة دقيقة وذلك للعمل على اكتشاف الأمراض المعدية باكراً لوضع الطرق الناجعة في الوقاية منها، واتخاذ كل الإجراءات والتدابير الاحترازية لمنع انتشارها بين طلاب وطالبات المدارس.

كانت النظافة الصحية أيضاً طابعاً يمارسه حتى المدرس أو المدرسة في طابور الصباح والفصل الدراسي، فمن كان شعره طويلاً من الطلاب طلب منه المدرس أن يقوم بحلقه وترتيبه، وكان المعتاد في الطابور الصباحي أيضاً أن يُطْلَب من الطلاب والطالبات مد أيديهم وبسط كفوفهم ليطَّلع كل مدرس أو مدرسة فصل على أظفارهم، ومن وُجد أن أظافره طويلة غير مقلمة ضُرب على يديه ضربة خفيفة تنبيهاً له بضرورة تقليمها، وإذا ما تكرر ذلك في اليوم الآخر أُخرج الطالب أو الطالبة من الطابور مع بقية من ماثلهم من الطلاب أو الطالبات ليجري توبيخهم، أو ضربهم ضرباً غير مبرح الهدف منه التعليم والتوجيه بضرورة المحافظة على النظافة الشخصية.

لقد كان عمل العيادات الطبية المدرسية والصحة المدرسية في مبناها عملاً تكاملياً مهماً في التاريخ الصحي لمدارس الكويت، حبذا أن يأخذ هذا العمل صورته المثالية مُجدَّداً لمزيد من الاهتمام بطلاب وطالبات المدارس على مختلف مراحلهم بغرض اكتشاف أمراض يمكن علاجها والسيطرة عليها باكراً.

 د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات