انتهت اجتماعات ورشة البحرين، التي بدأت بصخب إعلامي وتوتر ذهني، وأغلقت بهدوء مع تساؤلات عن واقعية المشروع، الذي طرحه ممثل الولايات المتحدة، في ضوء الاستحالات السياسية والمالية، وتخشن المواقف وتسلط اسرائيل على كل أجزاء الضفة الغربية، وعلى خلفية الانقسام الفلسطيني بين الضفة وغزة.

جاءت فكرة الورشة من قراءة أميركية للمواقف المتصلبة بين الأطراف المعنية، بعد فوز ترامب بالرئاسة، وسعي مساعديه لفتح ملف فلسطين وتعقيداته منذ قرارات التقسيم، ومن هذا التحليل للدبلوماسية الاسرائيلية وأطماعها، ومن إصرار الشعب الفلسطيني على حقوقه في دولته المستقلة، ومن الوقوف الأميركي على التباعد بين الطرفين، ومن الرغبة في التفكير بأسلوب خارج الدائرة المعروفة، تفتقت الذهنية بولادة خيوط الورشة في إبعاد المحتوى السياسي، والبدء في المسار الاقتصادي، فكانت الخطوة نحو البحرين لاستضافة الورشة وتنظيمها في موقع بعيد عن خطوط الالتصاق الملتهبة في الضفة الغربية.

وهنا لابد من التعرف على الحصاد الذي أفرزته لقاءات الورشة:

أولاً: تعرف الوفد الأميركي على الحقائق الصلبة في المواقف العربية التي تتعلق بالملف الفلسسطيني، وأبرزها لا سبيل للوصول إلى حل مقبول دون قيام الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، فالقرار المالي والارتياح الاقتصادي والرفاه الاجتماعي لا تأتي بالقناعة الجماعية للشعب الفلسطيني، الذي يصر على الهوية الوطنية، مثل الآخرين من الشعوب التي يرحب بها مجلس الأمن كأعضاء في الأمم المتحدة، وسط تبريكات عن قدرة هذه الدول على الإسهام في ترسيخ الأمن والسلام في هذا العالم.

ولم تأت الصرخة القوية نحو الدولة الفلسطينية من المقاطعين أو من المعتذرين فقط، وإنما من الذين استضافوا المؤتمر، ومن الذين شاركوا في أعمال الورشة.

ثانياً: خرج الوفد الأميركي حاملاً حصيلة من مداولات المؤتمر، عبر عنها المشاركون بأن الشعب الفلسطيني لا يبحث عن المال، وإنما عن السيادة، وغير مهتم بالجسور والمعابر وتشييد المولات التجارية، وإنما يصر على مقعد في الأمم المتحدة، فلا الكونفدرالية مع الجوار الأردني ـ ولا الدولة العلمانية في كل فلسطين تطفئ إصراره على تأكيد الشخصية الفلسطينية، وقد أوضحت لقاءات البحرين أن المنطقة لن تنال الطمأنينة من دون كيان فلسطيني مستقل.

وقد خرج الوفد الأميركي متأثراً بما سمع بأن الفاتورة المستقبلية تستوجب البدء بالممر السياسي ومعالجة إشكالياته.

ثالثاً: من الواضح أن الجهد الأميركي هو الممر الوحيد، الذي يمكن أن يحقق تقدماً بما لديه من علاقات خاصة مع اسرائيل، وما له من مكانة دولية ونفوذ مع جميع الأطراف، فتبقى الأمم المتحدة منارة اعلامية تتجدد فيها المناقشات عن المسار التاريخي للقضية، تحمل رسالة للدول الدائمة في مجلس الأمن بضرورة العلاج تحاشيا للانفجار والدمار، لكن الأمم المتحدة لا تستطيع فرض السلام، ولا تملك وسائل الضغط لإقناع الأطراف بما تراه من حل، وتبقى منصة عالمية يصرخ الشعب الفلسطيني من خلالها بآلامه وطموحاته، لكن يبقى الحل خارجها إلى أن تتوافق الأطراف المعنية على إطار عام.

رابعاً: مادام أن الفرقاء على دراية بتعقيدات القضية، وعلى قناعة بحتمية المساعي الأميركية، فلا بد من دراسة إمكانية النجاح للدور الأميركي الذي يأخذ في حساباته الحساسية الخاصة التي تملكها اسرائيل في الوضع الداخلي الأميركي، فهي جزء متمكن داخل الجسد السياسي والاقتصادي والاستراتيجي الشعبي الأميركي، ولا يمكن أن تذهب الرئاسة الأميركية إلى المدى الذي يغضب اسرائيل، وإنما تسعى الى حلول وسط.

ومن الدروس التي تعلمناها عن الدور الأميركي أنه يسعى ويعمل ويجتهد وفق دبلوماسية الممكن والمقبول، وليس وفق ما يتطلع إليه أي طرف، كما أن الانطلاق الأميركي لا يتأثر بمنصات سياسية معلنة، مثل المبادرة العربية أو الانسحاب الكامل مقابل التطبيع الكامل، ولا قرارات الأمم المتحدة حول آليات التفاوض أو حقوق اللاجئين، وإنما يتحرك بمرونة وفق منطق الواقع Real Politick، فلن يرضي الأطراف، وإنما يخرج بالحصيلة التي يمكن أن تتعايش معها جميع أطراف النزاع.

خامساً: نعترف بأن الحل السياسي له ثمن، فلن يحصل الشعب الفلسطيني على جميع ما يبتغيه، وإنما قد يخرج بهوية دولة وترتيبات حول القدس تشبه ما جاء في مشروع الرئيس كلينتون، الذي قدمه في ديسمبر 1999، ولم تكن اسرائيل سعيدة به، وإنما تركت عرفات ليرفضه.

وتظل هذه الأفكار نافعة يمكن قراءتها مجدداً في ضوء التبدلات التي حدثت منذ عهد الرئيس كلينتون.

لكن ذلك يحتاج إلى قرار يضع مصالح الشعب الفلسطيني فوق كل اعتبار، لكي يخرج من شبكة الإقصاء التي أبعدته عن تحقيق حلمه في دولته.

سادساً: لا يكفي أن تردد الدول العربية أقوالها انها مع ما يريده الشعب الفلسطيني، فالمطلوب الاستهداء بالتجارب واستخلاص المقدور منها، هناك سبعمئة ألف مستوطن اسرائيلي في الضفة والأعداد تزداد، والهدف إجهاض حلم الدولة، والبقاء في حضن اليأس والشتات.

ومن هنا تأتي ضرورة المشورة العربية الواعية والصادقة، فالشعارات هي وقود الضياع والإحباط.

هذا جوهر التحدي الموجود أمام قيادة فلسطين وأعوانها من العرب.

سابعاً: كان خطاب ممثل الولايات المتحدة ونسيب الرئيس أسوأ ما جاء في المؤتمر، فلا يملك المكانة الفكرية، ولا الخبرة المرنة التي تؤهله للتصدي لهذه المشكلة، التي أعيت الكثيرين، فلم يستوعب أحلام الفلسطينيين في دولة، وإنما أمطرهم بفائض مالي لم يحدد منابعه، وانتهى المؤتمر من دون اتفاق على إطار مستقبلي.

ثامناً: يبقى على أبو مازن أن يتسلح للأعاصير القادمة بالتنسيق العميق مع مصر والأردن، فلديهما الملاءة المطلوبة للحوار الجاد مع الإدارة الأميركية، بالتوجه نحو الحل السياسي الممكن، الذي لن يرضيه، مع إمكانية التعايش معه، وأن يستمع إلى مشورة الجادين لمصلحة الشعب الفلسطيني الذي قاوم والتزم بحقوقه.

ونعود بالتأكد على ممارسة المواجهة الدبلوماسية وليس المقاطعة فهي الأسلوب المناسب لقضايا اليوم.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات